فصل: فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِيفَاءِ فَالْقِصَاصُ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالسَّيْفِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، فَإِنْ مَاتَ، وَإِلَّا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ حَتَّى لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَقْتُلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَإِنْ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي مَاتَ الْأَوَّلُ فِيهَا، وَإِلَّا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ هُوَ، وَالْمَوْجُودُ مِنْهُ الْقَطْعُ فَيَجِبُ أَنْ يُجَازَى بِالْقَطْعِ، وَالظَّاهِرُ فِي الْقَطْعِ عَدَمُ السِّرَايَةِ، فَإِنْ اتَّفَقَتْ السِّرَايَةُ، وَإِلَّا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ، وَيَكُونُ الْحَزُّ تَتْمِيمًا لِلْفِعْلِ الْأَوَّلِ لَا حَزًّا مُبْتَدَأً.
(وَلَنَا) قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَالْقَوَدُ هُوَ الْقِصَاصُ، وَالْقِصَاصُ هُوَ الِاسْتِيفَاءُ، فَكَانَ هَذَا نَفْيُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ بِالسَّيْفِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ إذَا اتَّصَلَتْ بِهِ السِّرَايَةُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ قَتْلًا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ فَلَا يُجَازَى إلَّا بِالْقَتْلِ فَلَوْ قُطِعَ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى الْحَزِّ كَانَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْحَزِّ فَلَمْ يَكُنْ مُجَازَاةً بِالْمِثْلِ، وَقَوْلُهُ: الْحَزُّ يَقَعُ تَتْمِيمًا لِلْقَطْعِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَمِّمَ لِلشَّيْءِ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَالْحَزُّ قَتْلٌ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَطْعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ تَمَامِهِ؟ وَإِنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَا يُمَكَّنُ لِمَا قُلْنَا.
وَلَوْ فَعَلَ يُعَزَّرُ لَكِنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِأَيِّ طَرِيقٍ قَتَلَهُ سَوَاءٌ قَتَلَهُ بِالْعَصَا أَوْ بِالْحَجَرِ أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ السَّطْحِ أَوْ أَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ أَوْ سَاقَ عَلَيْهِ دَابَّةً حَتَّى مَاتَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَقُّهُ، فَإِذَا قَتَلَهُ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِالِاسْتِيفَاءِ لَا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ لِمُجَاوَزَتِهِ حَدَّ الشَّرْعِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ بِأَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ إمَّا لِضَعْفِ بَدَنِهِ أَوْ لِضَعْفِ قَلْبِهِ أَوْ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ إلَيْهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْإِنَابَةِ، إلَّا أَنَّهُ لابد مِنْ حُضُورِهِ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ إذَا قَتَلَهُ الْمَأْمُورُ، وَالْآمِرُ حَاضِرٌ صَارَ مُسْتَوْفِيًا، وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا قَتَلَهُ وَالْآمِرُ غَيْرُ حَاضِرٍ، وَأَنْكَرَ وَلَيُّ هَذَا الْقَتِيلِ الْأَمْرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ عَمْدًا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْأَصْلِ فَلَوْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إنَّمَا يَخْرُجُ بِالْأَمْرِ، وَقَدْ كَذَّبَهُ وَلَيُّ هَذَا الْقَتِيلِ فِي الْأَمْرِ، وَتَصْدِيقُ وَلَيِّ الْقِصَاصِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ بَعْدَ مَا بَطَلَ حَقُّهُ عَنْ الْقِصَاصِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ، فَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ فَلَمْ يَثْبُتْ الْأَمْرُ فَبَقِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ مُوجِبًا الْقِصَاصَ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِ إنْسَانٍ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، وَمَاتَ فَادَّعَى، وَلَيُّ الْقَتِيلِ الدِّيَةَ فَقَالَ الْحَافِرُ: حَفَرْتُهُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّارِ، وَصَدَّقَهُ صَاحِبُ الدَّارِ فِي ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ، وَيُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ؛ لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي فِعْلٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمْرِ بِهِ لِلْحَالِ، وَهُوَ الْحَفْرُ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا تَصْدِيقًا بَعْدَ فَوَاتِ الْمَحَلِّ فَاعْتُبِرَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

.فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَالْمُسْقِطُ لَهُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا فَوَاتُ مَحَلِّ الْقِصَاصِ بِأَنْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الشَّيْءِ فِي غَيْر مَحَلِّهِ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ بِالْمَوْتِ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْوَاجِبُ عَيْنًا عِنْدَنَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَعَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا إذَا قُتِلَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ بِحَقٍّ بِالرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ بِأَنْ قَتَلَ إنْسَانًا فَقُتِلَ بِهِ قِصَاصًا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ، وَلَا يَجِبُ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ الْوَاجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا فَاتَ ذَلِكَ الْعُضْوُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ قُطِعَ بِغَيْرِ حَقٍّ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ عِنْدَنَا لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ قُطِعَ بِحَقٍّ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ فَقُطِعَ بِهِ أَوْ سَرَقَ مَالَ إنْسَانٍ فَقُطِعَ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ أَيْضًا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، لَكِنْ يَجِبُ أَرْشُ الْيَدِ فَيَقَعُ الْفَرْقُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ بِحَقٍّ.
وَالثَّانِي بَيْنَ الْقَطْعِ بِغَيْرِ حَقٍ، وَبَيْنَ الْقَطْعِ بِحَقٍّ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ طَرَفَهُ بِحَقٍّ فَقَدْ قَضَى بِهِ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ فَجُعِلَ كَالْقَائِمِ، وَجُعِلَ صَاحِبُهُ مُمْسِكًا لَهُ تَقْدِيرًا كَأَنَّهُ أَمْسَكَهُ حَقِيقَةً، وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِعُذْرِ الْخَطَأِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُنَاكَ يَجِبُ الْأَرْشُ، كَذَا هَذَا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِيمَا إذَا قُطِعَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَفِي الْقَتْلِ إنْ قَضَى حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُجْعَلَ مُمْسِكًا لِلنَّفْسِ بَعْدَ مَوْتِهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الطَّرَفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمِنْهَا الْعَفْوُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: فِي بَيَانِ رُكْنِهِ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ حُكْمِهِ أَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْعَافِي عَفَوْتُ أَوْ أَسْقَطْتُ أَوْ أَبْرَأْتُ أَوْ وَهَبْتُ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى.
وَأَمَّا الشَّرَائِطُ فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ وَلَا حَقَّ مُحَالٌ فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِعَدَمِ الْحَقِّ، وَلَا مِنْ الْأَبِ، وَالْجَدِّ فِي قِصَاصٍ وَجَبَ لِلصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلصَّغِيرِ لَا لَهُمَا، وَإِنَّمَا لَهُمَا وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَجَبَ لِلصَّغِيرِ، وَلِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا مُقَيَّدَةٌ بِالنَّظَرِ لِلصَّغِيرِ، وَالْعَفْوُ ضَرَرٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ أَصْلًا، وَرَأْسًا فَلَا يَمْلِكَانِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ السُّلْطَانُ فِيمَا لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْعَافِي عَاقِلًا.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ مِنْ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ ثَابِتًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُضِرَّةِ الْمَحْضَةِ فَلَا يَمْلِكَانِهِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَأَمَّا) حُكْمُ الْعَفْوِ فَالْعَفْوُ فِي الْأَصْلِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَلِيِّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَجْرُوحِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَلِيِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَ الْمَوْتِ بَعْدَ الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ وَاحِدًا فَعَفَا عَنْ الْقَاتِلِ سَقَطَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهُ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْحَيَاةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِدُونِ الِاسْتِيفَاءِ بِالْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَفَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ الثَّأْرَ بَعْدَ الْعَفْوِ، فَلَا يَقْصِدُ قَتْلَ الْقَاتِلِ فَلَا يَقْصِدُ الْقَاتِلُ قَتْلَهُ فَيَحْصُلُ مَعْنَى الْحَيَاةِ بِدُونِ الِاسْتِيفَاءِ، فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِحُصُولِ مَا شُرِعَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِدُونِهِ، وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} أَيْ مَنْ أَحْيَاهَا بِالْعَفْوِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أَنَّ ذَلِكَ الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ عَلَى مَا قِيلَ أَنَّ حُكْمَ التَّوْرَاةِ الْقَتْلُ لَا غَيْرُ، وَحُكْمُ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ لَا غَيْرُ، فَخَفَّفَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَشَرَعَ الْعَفْوَ بِلَا بَدَلٍ أَصْلًا، وَالصُّلْحَ بِبَدَلٍ سَوَاءٌ عَفَا عَنْ الْكُلِّ أَوْ عَنْ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ وَذِكْرُ الْبَعْضِ فِيمَا لَا يَتَبَعَّضُ ذِكْرُ الْكُلِّ كَالطَّلَاقِ، وَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ بِالْعَفْوِ لَا يَنْقَلِبُ مَالًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَلِيِّ فِي الْقِصَاصِ عَيْنًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَقَدْ أَسْقَطَهُ لَا إلَى بَدَلٍ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْقَاطِ، وَالْمَحَلِّ قَابِلٌ لِلسُّقُوطِ يَسْقُطُ مُطْلَقًا كَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، فَإِذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ انْصَرَفَ الْوَاجِبُ تَصْحِيحًا لَتَصَرُّفِهِ كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَلَا يَنْوِي أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ، فَأَبْرَأَهُ الْمَدْيُونُ عَنْ أَحَدِهِمَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْآخَرِ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، وَلَوْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ الْعَفْوِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجِبُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} جَعَلَ جَزَاءَ الْمُعْتَدِي، وَهُوَ الْقَاتِلُ بَعْدَ الْعَفْوِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَهُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ- نَسْتَجِيرُ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ هَوْلِهِ- فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الدُّنْيَا لَصَارَ الْمَذْكُورُ بَعْضَ الْجَزَاءِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الدُّنْيَا يَرْفَعُ عَذَابَ الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ»، وَفِيهِ نَسْخُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ.
(وَلَنَا) عُمُومَاتُ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ شَخْصٍ وَشَخْصٍ، وَحَالٍ وَحَالٍ، إلَّا شَخْصًا أَوْ حَالًا قُيِّدَ بِدَلِيلٍ، وَكَذَا الْحِكْمَةُ الَّتِي لَهَا شُرِعَ الْقِصَاصُ، وَهُوَ الْحَيَاةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قِيلَ فِي بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ: إنَّ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ هاهنا هُوَ الْقِصَاصُ فَإِنَّ الْقَتْلَ غَايَةُ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ فِي الْإِيلَامِ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كَانَتْ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَتَحْتَمِلُ هَذَا وَتَحْتَمِلُ مَا قَالُوا فَلَا تَكُونُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ أَكْثَرَ بِأَنْ قَتَلَ رَجُلَانِ وَاحِدًا، فَإِنْ عَفَا عَنْهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ أَصْلًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ عَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْآخَرَ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِصَاصًا كَامِلًا، وَالْعَفْوُ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ الْعَفْوَ عَنْ الْآخَرِ، وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاتِلًا عَلَى الِانْفِرَادِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، إذْ الْقَتْلُ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَفْوِيتُ حَيَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاتِلًا عَلَى الِانْفِرَادِ، وَيُجْعَلُ قَتْلُ صَاحِبِهِ عَدَمًا فِي حَقِّهِ، فَإِذَا عَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا، وَالْعَفْوُ عَنْ الْقَاتِلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخَرِ عَدَمًا تَقْدِيرًا فَيُورِثُ شُبْهَةً، وَالْقِصَاصُ لَا يُسْتَوْفَى مَعَ الشُّبْهَةِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا لَيْسَ مَا ذُكِرَ، وَلَيْسَ الْقَتْلُ اسْمًا لِتَفْوِيتِ الْحَيَاةِ بَلْ هُوَ اسْمٌ لَفِعْلٍ مُؤَثِّرٌ فِي فَوَاتِ الْحَيَاةِ عَادَةً، وَهَذَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ، فَالْعَفْوُ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْآخَرِ، هَذَا إذَا كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَعَفَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ نَصِيبُ الْعَافِي بِالْعَفْوِ فَيَسْقُطُ نَصِيبُ الْآخَرِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ إذْ الْقِصَاصُ قِصَاصٌ وَاحِدٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِيفَاءُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْنَ شُرَكَاءَ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْآخَرَيْنِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}، وَهَذَا الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَيَكُونُ نَصِيبُ الْآخَرِ، وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ عَمْدٌ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ فِي سَنَتَيْنِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فَيُؤْخَذُ فِي سَنَتَيْنِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ خَطَأً، وَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي سَنَتَيْنِ، كَذَا هَاهُنَا.
(وَلَنَا) أَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِمَّا يُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَحُكْمُ الْجُزْءِ حُكْمَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ كُلٌّ لَا جُزْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ دِيَةِ يَدٍ وَاحِدَةٍ هَذَا الْقَدْرُ، إلَّا أَنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ دِيَتِهَا بِنِصْفِ دِيَةِ النَّفْسِ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ كُلَّ دِيَةِ الطَّرَفِ.
وَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ الْآخَرُ يُنْظَرُ إنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَفْوِ أَوْ عَلِمَ بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُرْمَةِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَعِنْدَ زُفَرَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ عَادَتْ بِالْعَفْوِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ حَرَّمَ قَتْلَهُ فَكَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْقِصَاصِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ وُجُودِ الْقَتْلِ مِنْهُ؟ فَلَوْ سَقَطَ إنَّمَا سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ، وَمُطْلَقُ الظَّنِّ لَا يُورِثُ شُبْهَةً كَمَا لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا.
وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَاتِلُ أَبِي.
(وَلَنَا) أَنَّ فِي عِصْمَتِهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّ قَتْلَهُ مُبَاحٌ لَهُ، وَهُوَ ظَنٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى نَوْعِ دَلِيلٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَقْتُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَجَبَ لِلْمَقْتُولِ، فَالْعَفْوُ مِنْ أَحَدِهِمَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ وِلَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ وُجِدَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤَثِّرَ عَفْوُ أَحَدِهِمَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ هَذَا الدَّلِيلُ عَنْ الْعَمَلِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَقِيَامُهُ يُورِثُ شُبْهَةَ عَدَمِ الْعِصْمَةِ، وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَعْمَلُ عَمَلَ الْحَقِيقَةِ فَتَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا تَعَذَّرَ إيجَابُهُ لِلشُّبْهَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، كَانَ عَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ، فَصَارَ النِّصْفُ قِصَاصًا بِالنِّصْفِ فَيُوجَبُ عَلَيْهِ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَيَكُونُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْقَتْلِ، وَهُوَ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ.
وَإِنْ عِلْمَ بِالْعَفْوِ وَالْحُرْمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْوُجُوبِ الشُّبْهَةُ، وَإِنَّهَا نَشَأَتْ عَنْ الظَّنِّ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَزَالَ الْمَانِعُ، وَلَهُ عَلَى الْمَقْتُولِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ انْقَلَبَ نَصِيبُهُ مَالًا بِعَفْوِ صَاحِبِهِ فَبَقِيَ ذَلِكَ عَلَى الْمَقْتُولِ، هَذَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ الْوَاحِدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ، فَأَمَّا إذَا وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِصَاصٌ كَامِلٌ قِبَلَ الْقَاتِلِ بِأَنْ قَتَلَ وَاحِدٌ رَجُلَيْنِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْقَاتِلِ لَا يَسْقُطُ قِصَاصُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ قِصَاصًا كَامِلًا، وَلَا اسْتِحَالَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ تَفْوِيتَ الْحَيَاةِ لِيُقَالَ: إنَّ الْحَيَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا يُتَصَوَّرُ تَفْوِيتُهَا مِنْ اثْنَيْنِ بَلْ هُوَ اسْمٌ لَفِعْلٍ مُؤَثِّرٍ فِي فَوَاتِ الْحَيَاةِ عَادَةً، وَهَذَا يُتَصَوَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ عَلَى الْكَمَالِ، فَعَفْوُ أَحَدِهِمَا عَنْ حَقِّهِ، وَهُوَ الْقِصَاصُ، لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ الْوَاحِدِ الْمُشْتَرَكِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ هَذَا إذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْقَاتِلِ بَعْدَ مَوْتِ وَلِيِّهِ.
(فَأَمَّا) إذَا عَفَا عَنْهُ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفْوُهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَصِحُّ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقَتْلِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْقَتْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يَصِيرُ قَتْلًا إلَّا بِفَوَاتِ الْحَيَاةِ عَنْ الْمَحَلِّ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَالْعَفْوُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَلَمْ يَصِحَّ، وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجُرْحَ مَتَى اتَّصَلَتْ بِهِ السِّرَايَةُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ قَتْلًا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ، فَكَانَ عَفْوًا عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ، فَيَصِحُّ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْجُرْحُ خَطَأً فَكَفَّرَ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ ثُمَّ مَاتَ جَازَ التَّكْفِيرُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَتْلَ إنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْحَالِ فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُودِهِ، وَهُوَ الْجُرْحُ الْمُفْضِي إلَى فَوَاتِ الْحَيَاةِ، وَالسَّبَبُ الْمُفْضِي إلَى الشَّيْءِ يُقَامُ مَقَامَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، وَالنِّكَاحِ مَعَ الْوَطْءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ سَبَبُ، وُجُودِ الْقَتْلِ كَانَ الْعَفْوُ تَعْجِيلَ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِنَّهُ جَائِزٌ، كَالتَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ الْعَفْوُ مِنْ الْمَوْلَى وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْعَفْوُ مِنْ الْوَارِثِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا إلَّا أَنَّ فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ إذَا عَفَا أَحَدُهُمَا فَلِلْآخَرِ حِصَّتُهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَهَاهُنَا مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي دَمِ الْعَمْدِ كَالدِّيَةِ فِي دَمِ الْحُرِّ.
(فَأَمَّا) فِيمَا وَرَاءَ ذَاكَ فَلَا يَخْتَلِفَانِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْعَفْوُ مِنْ الْمَوْلَى أَوْ مِنْ الْوَلِيِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ الْمَجْرُوحِ بِأَنْ كَانَ الْمَجْرُوحُ عَفَا لَا يَصِحُّ عَفْوُهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ حَقًّا لِلْمَوْلَى لَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا، فَإِنْ عَفَا عَنْ الْقَتْلِ ثُمَّ مَاتَ صَحَّ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحُّ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقَطْعِ أَوْ الْجِرَاحَةِ أَوْ الشَّجَّةِ أَوْ الْجِنَايَةِ ثُمَّ مَاتَ أَوَّلًا فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْجُرْحَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَالْمَجْرُوحُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقُول: عَفَوْتُ عَنْ الْقَطْعِ أَوْ الْجِرَاحَةِ أَوْ الشَّجَّةِ أَوْ الضَّرْبَةِ، وَهَذَا كُلَّهُ قِسْمٌ وَاحِدٌ.
(وَإِمَّا) أَنْ يَقُولَ: عَفَوْتُ عَنْ الْجِنَايَةِ، وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ ذَكَر مَعَهُ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا.
(وَإِمَّا) إنْ لَمْ يَذْكُرْ، وَحَالُ الْمَجْرُوحِ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ بَرِئَ وَصَحَّ.
(وَإِمَّا) إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ صَحَّ الْعَفْوُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ وَقَعَ عَنْ ثَابِتٍ، وَهُوَ الْجِرَاحَةُ أَوْ مُوجِبُهَا، وَهُوَ الْأَرْشُ فَيَصِحُّ، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، فَإِنْ كَانَ الْعَفْوُ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجِنَايَةِ يَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ، وَكَذَا لَفْظُ الْجِرَاحَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، فَكَانَ ذَلِكَ عَفْوًا عَنْ الْقَتْلِ فَيَصِحُّ.
وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَحْدُث مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ الْعَفْوُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ السِّرَايَةَ أَثَرُ الْجِرَاحَةِ، وَالْعَفْوُ عَنْ الشَّيْءِ يَكُونُ عَفْوًا عَنْ أَثَرِهِ كَمَا إذَا قَالَ عَفَوْتُ عَنْ الْجِرَاحَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَفَا عَنْ غَيْرِ حَقِّهِ، فَإِنَّ حَقَّهُ فِي مُوجَبِ الْجِنَايَةِ لَا فِي عَيْنِهَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا عَرَضٌ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْعَفْوُ عَنْهَا، وَلِأَنَّ عَيْنَهَا جِنَايَةٌ وُجِدَتْ مِنْ الْخَارِجِ، وَالْجِنَايَةُ لَا تَكُونُ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَكَانَ هَذَا عَفْوًا عَنْ مُوجَبِ الْجِرَاحَةِ.
وَبِالسِّرَايَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا مُوجَبَ بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ السِّرَايَةِ يَجِبُ مُوجَبُ الْقَتْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَالدِّيَةُ إنْ كَانَ خَطَأً، وَلَا يَجِبُ الْأَرْشُ وَقَطْعُ الْيَدِ مَعَ مُوجَبِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَالثَّانِي: إنْ كَانَ الْعَفْوُ عَنْ الْقَطْعِ وَالْجُرْحِ صَحِيحًا لَكِنَّ الْقَطْعَ غَيْرُ، وَالْقَتْلَ غَيْرُ فَالْقَطْعُ إبَانَةُ الطَّرَفِ، وَالْقَتْلُ فِعْلٌ مُؤَثِّرٌ فِي فَوَاتِ الْحَيَاةِ عَادَةً، وَمُوجَبُ أَحَدِهِمَا الْقَطْعُ وَالْأَرْشُ، وَمُوجَبُ الْآخَرِ الْقَتْلُ وَالدِّيَةُ، وَالْعَفْوُ عَنْ أَحَدِ الْغَيْرَيْنِ لَا يَكُونُ عَفْوًا عَنْ الْآخَرِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصَ لِوُجُودِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ، إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَتَكُونُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ خَطَأً فَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ صَحَّ الْعَفْوُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ أَوْ الْجِرَاحَةِ، وَذَكَرَ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ أَوْ الْجِرَاحَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا صَحَّ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ إنْ كَانَ الْعَفْوُ فِي حَالِ صِحَّةِ الْمَجْرُوحِ بِأَنْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَلَمْ يَصِرْ صَاحِبَ فِرَاشٍ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْمَرَضِ بِأَنْ صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ يُعْتَبَرُ عَفْوُهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ، وَتَبَرُّعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرُ الدِّيَةِ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَنْ الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ فَثُلُثُهُ يَسْقُطُ عَنْ الْعَاقِلَةِ، وَثُلُثَاهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ الْعَفْوُ، وَهَذَا وَقَوْلُهُ عَفَوْتُ عَنْ الْجِرَاحَةِ وَعَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا سَوَاءٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَفْوِ صُلْحٌ بِأَنْ صَالَحَ مِنْ الْقَطْعِ أَوْ الْجِرَاحَةِ عَلَى مَالٍ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ إنْ بَرِئَ الْمَجْرُوحُ فَالصُّلْحُ صَحِيحٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ فَيَصِحُّ، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ، فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا فَالصُّلْحُ صَحِيحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صُلْحٌ عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ، وَهُوَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ، وَيُؤْخَذُ جَمِيعُ الدِّيَةِ مِنْ مَالِهِ فِي الْعَمْدِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً يُرَدُّ بَدَلُ الصُّلْحِ، وَيَجِبُ جَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الصُّلْحِ نِكَاحٌ بِأَنْ قَطَعَتْ امْرَأَةٌ يَدَ رَجُلٍ أَوْ جَرَحَتْهُ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفَاصِيلِ أَنَّهُ إنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ النِّكَاحُ، وَصَارَ أَرْشُ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مُوجَبُ ذَلِكَ الْأَرْشُ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لَا يَجْرِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْمَالَ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَقَدْ سَمَّى الْمَالَ فَكَانَ مَهْرًا لَهَا، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ فَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَكَانَ الْقَطْعُ خَطَأً جَازَ النِّكَاحُ، وَصَارَ دَمُ الزَّوْجِ مَهْرًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَتْ بِهِ السِّرَايَةُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ قَتْلًا مُوجِبًا لِلدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَكَانَ التَّزَوُّجُ عَلَى مُوجَبِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ الدِّيَةُ، وَسَقَطَتْ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِصَيْرُورَتِهَا مَهْرًا لَهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ وَقْتَ النِّكَاحِ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَبِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ يَسْقُطُ عَنْ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَبَرِّعٍ فِي هَذَا الْقَدْرِ.
(وَأَمَّا) الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَسْقُطُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَبِقَدْرِ الثُّلُثِ يَسْقُطُ أَيْضًا، وَالزِّيَادَةُ تَكُونُ لِلزَّوْجِ تَرْجِعُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ خُرُوجُ الزِّيَادَةِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ مَرِيضٌ مَرَضَ الْمَوْتِ، هَذَا فِي الْخَطَأِ.
(وَأَمَّا) فِي الْعَمْدِ جَازَ النِّكَاحُ، وَصَارَ عَفْوًا.
(وَأَمَّا) جَوَازُ النِّكَاحِ فَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ جَوَازَهُ لَا يَقِفُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَا هُوَ مَالٌ.
(وَأَمَّا) صَيْرُورَةُ النِّكَاحِ عَلَى الْقِصَاصِ عَفْوًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْقِصَاصِ فَقَدْ أَزَالَ حَقَّهُ عَنْهُ، وَأَسْقَطَهُ وَهَذَا مَعْنَى الْعَفْوِ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ تَرِكَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَهْرِ، وَالْقِصَاصُ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَيَجِبُ لَهَا الْعِوَضُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- بَطَلَ الْعَفْوُ إذَا كَانَ عَمْدًا، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِهَا، فَيَتَنَاقَصَانِ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَتَضْمَنُ الْمَرْأَةُ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ، وَلَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ النِّكَاحِ خُلْعٌ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَرَحَهَا جِرَاحَةً فَخَلَعَهَا عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا إنْ بَرِئَتْ جَازَ الْخُلْعُ، وَكَانَ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَعَهَا عَلَى أَرْشِ الْيَدِ، فَصَحَّ الْخُلْعُ، وَصَارَ أَرْشُ الْيَدِ بَدَلَ الْخُلْعِ، وَالْخُلْعُ عَلَى مَالٍ طَلَاقٌ بَائِنٌ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ، وَالْخَطَأُ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ، وَكَانَ خَطَأً، فَإِنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا جَازَ الْخُلْعُ، وَيَكُونُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفِعْلَ وَقَعَ قَتْلًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ مُوجِبًا لِلدِّيَةِ، فَكَانَ الْخُلْعُ وَاقِعًا عَلَى مَالِهِ، وَهُوَ الدِّيَةُ، فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ بَائِنًا، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَحِيحَةً وَقْتَ الْخُلْعِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةً صَارَتْ الدِّيَةُ بَدَلَ الْخُلْعِ، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ جَمِيعِ الدِّيَةِ مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ هُنَاكَ خُرُوجُ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَ حَالُ دُخُولِ الْبُضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ، وَهَذِهِ حَالَةُ الْخُرُوجِ، وَالْبُضْعُ يُعَدُّ مَالًا حَالَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ، وَلَا يُعَدُّ مَالًا حَالَ الْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ عَنْ الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ يَسْقُطُ، وَالثُّلُثَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ هَذَا فِي الْخَطَأِ، فَأَمَّا فِي الْعَمْدِ جَازَ الْعَفْوُ، وَلَا يَكُونُ مَالًا، وَخُلْعُهَا بِغَيْرِ مَالٍ يَكُونُ رَجْعِيًّا، وَإِنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الْجِرَاحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا فَعِنْدَهُمَا: كَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-
لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ، وَتَجِبُ جَمِيعُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ، وَفِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَيَكُونُ الْخُلْعُ بِغَيْرِ مَالٍ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلْمَوْلَى، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حَقِّهِ اسْتِيفَاءً وَإِسْقَاطًا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْقَاطِ، وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلسُّقُوطِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ فَيَمْلِكُ الصُّلْحَ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَهُوَ الْحَيَاةُ، يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عِنْدَ أَخْذِ الْمَالِ عَنْ صُلْحٍ، وَتَرَاضٍ تَسْكُنُ الْفِتْنَةُ فَلَا يَقْصِدُ الْوَلِيُّ قَتْلَ الْقَاتِلِ، فَلَا يَقْصِدُ الْقَاتِلَ قَتْلَهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ بِدُونِهِ، وَقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَمِنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ وَسَوَاءٌ كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ أَوْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهَا، حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ جَهَالَةً مُتَفَاوِتَةً كَالْحَصَادِ، وَالدِّيَاسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ هُنَاكَ تَمَكُّنُ الرِّبَا.
وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الرِّبَا يَخْتَصُّ بِمُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا شَرَائِطَ جَوَازِ الصُّلْحِ، وَمَنْ يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَمَنْ لَا يَمْلِكُهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَلَوْ صَالَحَ الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ عَلَى مَالٍ ثُمَّ قَتَلَهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْعَفْوِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ اثْنَيْنِ، وَالْقِصَاصُ وَاحِدٌ فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْقَاتِلِ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَفْوِ، وَلَوْ قَتَلَهُ الْآخَرُ بَعْد عَفْوِ صَاحِبِهِ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَفْوِ وَلَوْ كَانَ الْقِصَاصُ أَكْثَرَ فَصَالَحَ وَلَيُّ أَحَدِ الْقَتِيلَيْنِ فَلِلْآخَرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَ الْوَلِيُّ مَعَ أَحَدِ الْقَاتِلَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ لِلْآخَرِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَفْوِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَوْلَى فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا وَمِنْهَا إرْثُ الْقِصَاصِ بِأَنْ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ، فَوَرِثَ الْقَاتِلُ الْقِصَاصَ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِاسْتِحَالَةِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ لَهُ وَعَلَيْهِ، فَيَسْقُطُ ضَرُورَةً، وَلَوْ قَتَلَ رَجُلَانِ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنُ الْآخَرِ عَمْدًا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا وَارِثُ الْآخَرِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُوَكِّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلًا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ فَيَقْتُلُهُمَا الْوَكِيلَانِ مَعًا، وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقَالُ لِلْقَاضِي: ابْتَدِئْ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ، وَسَلِّمْهُ إلَى الْآخَرِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الْآخَرِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوُجُودِ السَّبَبِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتَمَكَّنُ اسْتِيفَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُوْفِيَ أَحَدُهُمَا يَسْقُطُ الْآخَرُ لِصَيْرُورَةِ الْقِصَاصِ مِيرَاثًا لِلْقَاتِلِ الْآخَرِ، فَكَانَ الْخِيَارُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي يَبْتَدِئُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَيُسَلِّمُهُ إلَى الْآخَرِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الْآخَرِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ مِنْهُمَا مُمْكِنٌ بِالْوَكَالَةِ بِأَنْ يَقْتُلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَكِيلَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَتَوَارَثَانِ، كَمَا فِي الْغَرْقَى، وَالْحَرْقَى.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وُجُوبَ الِاسْتِيفَاءِ لَا يُعْقَلُ لَهُ مَعْنًى سِوَاهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُوْفِيَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْآخَرُ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَتَعَذَّرَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ أَصْلًا؛ وَلِأَنَّ فِي اسْتِيفَاءِ أَحَدِ الْقَصَاصَيْنِ بَقَاءُ حَقِّ أَحَدِهِمَا، وَإِسْقَاطُ حَقِّ الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالْقَوْلُ بِاسْتِيفَائِهِمَا بِطَرِيقِ التَّوْكِيلِ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ قَلَّمَا يَتَّفِقَانِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بَلْ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَادَةً، وَكَذَا أَثَرُهُمَا الثَّابِتُ عَادَةً، وَهُوَ فَوَاتُ الْحَيَاةِ، وَفِي ذَلِكَ إسْقَاطُ الْقِصَاصِ عَنْ الْآخَرِ، وَقَالُوا فِي رَجُلٍ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ ابْنَ الْقَاطِعِ عَمْدًا، ثُمَّ مَاتَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ مِنْ الْقَطْعِ إنَّ عَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصَ، وَهُوَ الْقَتْلُ لِوَلِيِّ الْمَقْطُوعِ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى وُجُودِ الْقَتْلِ مِنْهُ، وَهُوَ الْقَطْعُ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَطْعَ صَارَ بِالسِّرَايَةِ قَتْلًا، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ، وَلَا يَسْقُطُ بِقَتْلِ الْمَقْطُوعِ يَدُهُ ابْنَ الْقَاطِعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا) حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ لِحُصُولِ الْقَتْلِ مُبَاشَرَةً بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ فَبِالْعَمْدِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا تَجِبُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَجِبُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الذَّنْبِ، وَمَحْوِ الْإِثْمِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَتْ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ، وَالذَّنْبُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ أَعْظَمُ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الدَّفْعِ أَشَدُّ.
(وَلَنَا) أَنَّ التَّحْرِيرَ أَوْ الصَّوْمَ فِي الْخَطَأِ إنَّمَا وَجَبَ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ سَلِمَ لَهُ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْحَيَاةُ، مَعَ جَوَازِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْقِصَاصِ، وَكَذَا ارْتَفَعَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ جَوَازِ الْمُؤَاخَذَةِ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْعَمْدِ، فَيُقَدَّرُ الْإِيجَابُ شُكْرًا أُوجِبَ لِحَقِّ التَّوْبَةِ عَنْ الْقَتْلِ بِطَرِيقِ الْخَطَأِ، وَأُلْحِقَ بِالتَّوْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِخِفَّةِ الذَّنْبِ بِسَبَبِ الْخَطَأِ، وَالذَّنْبُ هاهنا أَعْظَمُ فَلَا يَصْلُحُ لِتَحْرِيرِ تَوْبَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلِأَنَّ الْقِصَاصَ امْتَنَعَ وُجُوبُهُ مَعَ وُجُودِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ لِلشُّبْهَةِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ.
وَأَمَّا صِفَةُ التَّغْلِيظِ فَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّغْلِيظِ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْكَيْفِيَّةِ دَلِيلُ ثُبُوتِ الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الْوُجُوبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلِأَنَّ الْعَاقِلَةَ إنَّمَا تَعْقِلُ الْخَطَأَ تَخْفِيفًا عَلَى الْقَاتِلِ نَظَرًا لَهُ لِوُقُوعِهِ فِيهِ لَا عَنْ قَصْدٍ، وَفِي هَذَا الْقَتْلِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْقَصْدِ لِحُصُولِهِ بِآلَةٍ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّخْفِيفِ، وَمِنْهَا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ، وَمِنْهَا عَدَمُ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ مُبَاشَرَةً بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي هَذَا الْقَتْلِ؟ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا تَجِبُ، وَأَلْحَقَهُ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا تَجِبُ، وَأَلْحَقَهُ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
(وَجْهُ) مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْخَطَأِ إمَّا لِحَقِّ الشُّكْرِ أَوْ لِحَقِّ التَّوْبَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالدَّاعِي إلَى الشُّكْرِ، وَالتَّوْبَةِ هاهنا مَوْجُودٌ، وَهُوَ سَلَامَةُ الْبَدَنِ، وَكَوْنُ الْفِعْلِ جِنَايَةً فِيهَا نَوْعُ خِفَّةٍ لِشُبْهَةِ عَدَمِ الْقَصْدِ، فَأَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْلِمًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَجِبُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}.
وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ قَدْ سَلِمَ لَهُ الْحَيَاةُ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، وَرُفِعَتْ عَنْهُ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ جَوَازِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْحِكْمَةِ لِمَا فِي وُسْعِ الْخَاطِئِ فِي الْجُمْلَةِ حِفْظُ نَفْسِهِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ، وَهَذَا أَيْضًا نِعْمَةٌ فَكَانَ وُجُوبُ الشُّكْرِ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مِقْدَارَهُ وَجِنْسَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِيَقْدِرَ الْعَبْدُ عَلَى أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الشُّكْرِ بِتَعْظِيمِهِ الْعَقْلَ؛ وَلِأَنَّ فِعْلَ الْخَطَأِ جِنَايَةٌ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورُ الِامْتِنَاعِ بِالتَّكَلُّفِ وَالْجَهْدِ.
وَإِذَا كَانَ جِنَايَةً فلابد لَهَا مِنْ التَّكْفِيرِ وَالتَّوْبَةِ، فَجُعِلَ التَّحْرِيرُ مِنْ الْعَبْدِ بِحَقِّ التَّوْبَةِ عَنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ بِمَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْجِنَايَاتِ، إلَّا أَنَّهُ جُعِلَ التَّحْرِيرُ أَوْ الصَّوْمُ تَوْبَةً لَهُ دُونَ التَّوْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِخِفَّةِ الْجِنَايَةِ بِسَبَبِ الْخَطَأِ، إذْ الْخَطَأُ مَعْفُوٌّ فِي الْجُمْلَةِ، وَجَائِزٌ الْعَفْوُ عَنْ هَذَا النَّوْعِ فَخَفَّتْ تَوْبَتُهُ لِخِفَّةٍ فِي الْجِنَايَةِ، فَكَانَ التَّحْرِيرُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ وَمِنْهَا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فَلَا شَكَّ فِيهَا.
وَأَمَّا الْخَطَرُ وَالْحُرْمَةُ فَلِأَنَّ فِعْلَ الْخَطَأِ جِنَايَةٌ جَائِزٌ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهَا عَقْلًا لِمَا بَيَّنَّا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمَهُ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزَ الْمُؤَاخَذَةِ لَكَانَ مَعْنَى الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ لَا تُجِرْ عَلَيْنَا، وَهَذَا مُحَالٌ، وَإِنَّمَا رُفِعَ حُكْمُهَا شَرْعًا بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مَعَ بَقَاءِ وَصْفِ الْفِعْلِ عَلَى حَالِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ جِنَايَةً.
وَمِنْهَا وُجُوبُ الدِّيَةِ، وَالْكَلَامُ فِي الدِّيَةِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَفِي بَيَانِ مَا تَجِبُ مِنْهُ الدِّيَةُ مِنْ الْأَجْنَاسِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَفِي بَيَانِ صِفَتِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوُجُوبِ.
أَمَّا الشَّرَائِطُ فَبَعْضُهَا شَرْطُ أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَبَعْضُهَا شَرْطُ كَمَالِ الْوَاجِبِ، أَمَّا شَرْطُ أَصْلِ الْوُجُوبِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعِصْمَةُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا دِيَةَ فِي قَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْبَاغِي لِفَقْدِ الْعِصْمَةِ، فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الدِّيَةِ لَا مِنْ جَانِبِ الْقَاتِلِ وَلَا مِنْ جَانِبِ الْمَقْتُولِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا.
وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ حَتَّى تَجِبَ الدِّيَةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا}.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا تَجِبُ الدِّيَةُ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ}، وَالثَّانِي: التَّقَوُّمُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مُتَقَوِّمًا، وَعَلَى هَذَا يُبْنَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ خَطَأً أَنَّهُ لَا تَجِبُ الدِّيَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقَوُّمَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَقْرِيرَ هَذَا الْأَصْلِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ.
ثُمَّ نَتَكَلَّمُ فِي الْمَسْأَلَةِ: ابْتِدَاءً احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَهَذَا مُؤْمِنٌ قُتِلَ خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ.
(وَلَنَا) قَوْلُهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَكِبْرِيَاؤُهُ: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَ التَّحْرِيرَ جَزَاءَ الْقَتْلِ، وَالْجَزَاءُ يَقْتَضِي الْكِفَايَةَ فَلَوْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ مَعَهُ لَا تَقَعُ الْكِفَايَةُ بِالتَّحْرِيرِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ التَّحْرِيرَ كُلَّ الْوَاجِبِ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلُّ الْمَذْكُورِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا مَعَهُ الدِّيَةَ لَصَارَ بَعْضَ الْوَاجِبِ، وَهَذَا تَغْيِيرُ حُكْمِ النَّصِّ.
وَأَمَّا صَدْرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمُؤْمِنَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ مُطْلَقًا فَيَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الْمُسْتَأْمَنُ دِينًا، وَدَارًا، وَهَذَا مُسْتَأْمَنٌ دِينًا لَا دَارًا؛ لِأَنَّهُ مُكَثِّرٌ سَوَادَ الْكَفَرَةِ، وَمَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَفْرَدَ هَذَا الْمُؤْمِنَ بِالذَّكَرِ وَالْحُكْمِ، وَلَوْ تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ لَعَرَّفَ حُكْمَهُ بِهِ، فَكَانَ الثَّانِي تَكْرَارًا، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَكُنْ تَكْرَارًا فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى، أَوْ يُحْتَمَلْ مَا ذَكَرْنَا، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلِينَ عَمَلًا بِهِمَا جَمِيعًا، ثُمَّ عِصْمَةُ الْمَقْتُولِ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْقَتْلِ أَمْ وَقْتَ الْمَوْتِ أَمْ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا؟ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْقَتْلِ لَا غَيْرُ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا غَيْرُ، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ مَسَائِلُ الرَّمْيِ إذَا رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَمَاتَ، فَعَلَى الرَّامِي الدِّيَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ كَانَ خَطَأً تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا يَكُونُ فِي مَالِهِ، وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا عِنْدَ زُفَرَ، وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ، وَمَاتَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَتْلِ، وَالْفِعْلُ إنَّمَا يَصِيرُ قَتْلًا بِفَوَاتِ الْحَيَاةِ، وَلَا عِصْمَةَ لِلْمَقْتُولِ وَقْتَ فَوَاتِ الْحَيَاةِ، فَكَانَ دَمُهُ هَدْرًا، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ فَمَاتَ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ، لَهُمَا أَنَّ لِلْقَتْلِ تَعَلُّقًا بِالْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْقَاتِلِ، وَأَثَرُهُ يَظْهَرُ فِي الْمَقْتُولِ بِفَوَاتِ الْحَيَاةِ، فلابد مِنْ اعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِفِعْلِهِ، وَلَا فِعْلَ مِنْهُ سِوَى الرَّمْيِ السَّابِقِ فَكَانَ الرَّمْيُ السَّابِقُ عِنْدَ وُجُودِ زُهُوقِ الرُّوحِ قَتْلًا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ، وَالْمَحِلُّ كَانَ مَعْصُومًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ.
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا وَقْتَ الرَّمْيِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ وَهُوَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِمَا فِي اعْتِبَارِ وَقْتِ الرَّمْيِ لَا غَيْرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَابِ الصَّيْدِ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّامِي مُسْلِمًا وَقْتَ الرَّمْيِ ثُمَّ ارْتَدَّ فَأَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ، يُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ الْبَابُ بَابَ الِاحْتِيَاطِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا وَقْتَ الرَّمْيِ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِالصَّيْدِ وَهُوَ مُسْلِمٌ لَا يُؤْكَلُ، وَكَذَلِكَ حَلَالٌ رَمَى صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ رَمَى وَهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ حَلَّ فَأَصَابَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ حُجَجُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي اعْتِبَارِ وَقْتِ الْفِعْلِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا يَرْجِعُ إلَى الْأَهْلِيَّةِ تُعْتَبَرُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْفَاعِلِ وَقْتَ الْفِعْلِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَا كَانَ رَاجِعًا إلَى الْمَحِلِّ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ فَمَاتَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ أَنَّهُ يُهْدَرُ دَمُهُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ السَّابِقَ انْقَلَبَ قَتْلًا بِالسِّرَايَةِ، وَقَدْ تَبَدَّلَ الْمَحِلُّ حُكْمًا بِالرِّدَّةِ، فَيُوجِبُ انْقِطَاعَ السِّرَايَةِ عَنْ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ كَتَبَدُّلِ الْمَحِلِّ حَقِيقَةً، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَسْأَلَتِنَا.
وَلَوْ رَمَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ فَمَاتَ فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتَهُ لِمَوْلَاهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَى الرَّامِي لِمَوْلَى الْعَبْدِ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَرْمِيًّا إلَى غَيْرِ مَرْمِيٍّ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمَّا رَمَى إلَيْهِ فَقَدْ صَارَ نَاقِصًا بِالرَّمْيِ فِي مِلْكِ مَوْلَاهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ بِتَوَجُّهِ السَّهْمِ إلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْقَطَعَتْ السِّرَايَةُ، وَلَا يَضْمَنُ الدِّيَةَ، وَلَا الْقِيمَةَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ كَذَا هَذَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ وَقْتِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاتِلًا بِالرَّمْيِ السَّابِقِ، وَهُوَ كَانَ مِلْكُ الْمَوْلَى حِينَئِذٍ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الَّذِي تَجِبُ مِنْهُ الدِّيَةَ وَتُقْضَى مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَعِنْدَهُمَا سِتَّةُ أَجْنَاسٍ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْحُلَلُ، وَاحْتَجَّا بِقَضِيَّةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَضَى بِالدِّيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاس بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» جَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْوَاجِبَ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهَا، فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مِنْهَا عَلَى التَّعْيِينِ، إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، فَمَنْ ادَّعَى الْوُجُوبَ مِنْ الْأَصْنَافِ الْأُخَرِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَأَمَّا قَضِيَّةُ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إنَّمَا قَضَى بِذَلِكَ حِينَ كَانَتْ الدِّيَاتُ عَلَى الْعَوَاقِلِ، فَلَمَّا نَقَلَهَا إلَى الدِّيوَانِ قَضَى بِهَا مِنْ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ مَا يُدَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ صَالَحَ الْوَلِيُّ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ لَجَازَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَأَمَّا بَيَانُ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَبَيَانُ صِفَتِهِ فَقَدْرُ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ يَخْتَلِفُ بِذُكُورَةِ الْمَقْتُولِ وَأُنُوثَتِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَا خِلَافَ، فِي أَنَّ الْوَاجِبَ بِقَتْلِهِ مِنْ الْإِبِلِ مِائَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ «دِيَةَ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ»، وَالتَّقْدِيرُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ يَكُونُ تَقْدِيرًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ مِنْ الْفِضَّةِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: عَشَرَةُ آلَافٍ دِرْهَمٍ وَزْنًا وَزْنُ سَبْعَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الدِّيَةُ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونَ إجْمَاعًا مَعَ مَا أَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْرُ الْوَاجِبِ مِنْ الْبَقَرِ عِنْدَهُمَا مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَمِنْ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ، وَمِنْ الْغَنَمِ أَلْفَا شَاةٍ، ثُمَّ دِيَةُ الْخَطَأِ مِنْ الْإِبِلِ أَخْمَاسٌ بِلَا خِلَافٍ، عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «دِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسٌ عِشْرُونَ بَنَاتُ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنُو مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ»، وَعِنْدَهُمَا قَدْرُ كُلِّ بَقَرَةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَقَدْرُ كُلِّ حُلَّةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَالْحُلَّةُ اسْمٌ لِثَوْبَيْنِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَقِيمَةُ كُلِّ شَاةٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَرْبَاعٌ، عِنْدَهُمَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَثْلَاثٌ، ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً.
وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلِّهِ خِلْفَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَيِّدِنَا عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثٌ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ خِلْفَةً، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَتَى اخْتَلَفَتْ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يَجِبُ تَرْجِيحُ قَوْلِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، وَالتَّرْجِيحُ هاهنا لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِالْقَبُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ»، وَفِي إيجَابِ الْحَوَامِلِ إيجَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَا قَالَهُ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَعْنًى مَوْهُومٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَإِنَّ انْتِفَاخَ الْبَطْنِ قَدْ يَكُونُ لِلْحَمْلِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلدَّاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَدِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي دِيَةِ الْمَرْأَةِ: إنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي مِيرَاثِهَا، وَشَهَادَتِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الرَّجُلِ فَكَذَلِكَ فِي دِيَتِهَا وَهَلْ يَخْتَلِفُ قَدْرُ الدِّيَةِ بِالْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لَا يَخْتَلِفُ وَدِيَةُ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَخْتَلِفُ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةٍ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ جَعَلَ دِيَةَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ» وَلِأَنَّ الْأُنُوثَةَ لَمَّا أَثَّرَتْ فِي نُقْصَانِ الْبَدَلِ فَالْكُفْرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ نَقِيصَةَ الْكُفْرِ فَوْقَ كُلِّ نَقِيصَةٍ.
(وَلَنَا) قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقَوْلَ بِالدِّيَةِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَدَلَّ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكُلِّ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ (وَرَوَيْنَا) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ «دِيَةَ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ» (وَرُوِيَ) «أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ قَتَلَ مُسْتَأْمَنَيْنِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمَا بِدِيَةِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ»، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: قَضَى سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ وَسَيِّدُنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ بِمِثْلِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَمِثْلُهُ لَا يَكْذِبُ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ كَمَالِ الدِّيَةِ يَعْتَمِدُ كَمَالَ حَالِ الْقَتِيلِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَهِيَ الذُّكُورَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعِصْمَةُ، وَقَدْ وُجِدَ، وَنُقْصَانُ الْكُفْرِ يُؤَثِّرُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ الْقَتْلُ، وَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْقَاتِلِ، ثُمَّ (الدِّيَةُ) الْوَاجِبَةُ عَلَى الْقَاتِلِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَنَوْعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كُلِّهِ، وَتَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْعَاقِلَةُ، بَعْضَهُ بِطَرِيقِ التَّعَاوُنِ إذَا كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ، وَكُلُّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَمَا لَا فَلَا، فَلَا تَعْقِلُ الصُّلْحَ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الصُّلْحِ مَا وَجَبَ بِالْقَتْلِ بَلْ بِعَقْدِ الصُّلْحِ، وَلَا الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ لَا بِالْقَتْلِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَا يَصْدُقُ فِي حَقِّ الْعَاقِلَةِ، حَتَّى لَوْ صَدَقُوا عَقَلُوا، وَلَا الْعَبْدَ بِأَنْ قَتَلَ إنْسَانًا خَطَأً؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِ الْقَتْلِ الدَّفْعُ لَا الْفِدَاءُ.
وَالْفِدَاءُ يَجِبُ بِاخْتِيَارِ الْمَوْلَى لَا بِنَفْسِ الْقَتْلِ، وَلَا الْعَمْدَ بِأَنْ قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ فَلَمْ تَجِبْ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَمُّلَ مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى طَرِيقِ التَّخْفِيفِ عَلَى الْخَاطِئِ، وَالْعَامِدُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا عَبْدًا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعَبْدُ الْمَقْتُولُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ مَوْلَاهُ، وَهُوَ مَأْذُونٌ مَدْيُونٌ، أَوْ الْمُكَاتَبُ لَا الْعَبْدُ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةَ عَنْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: عَقَلْتُ عَنْ فُلَانٍ إذَا كَانَ فُلَانٌ قَاتِلًا، وَعَقَلْتُ فُلَانًا إذَا كَانَ فُلَانٌ مَقْتُولًا.
كَذَا فَرَّقَ الْأَصْمَعِيُّ ثُمَّ الْوُجُوبُ عَلَى الْقَاتِلِ فِيمَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ الدِّيَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ تَجِبُ عَلَى الْكُلِّ ابْتِدَاءً، الْقَاتِلُ وَالْعَاقِلَةُ جَمِيعًا وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ}، وَمَعْنَاهُ فَلْيَتَحَرَّرْ، وَلْيُودِ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلْقَاتِلِ لَا لِلْعَاقِلَةِ دَلَّ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ الْقَتْلُ.
وَأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْقَاتِلِ لَا مِنْ الْعَاقِلَةِ فَكَانَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنَّمَا الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُ دِيَةً وَاجِبَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ دُخُولُ الْقَاتِلِ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي التَّحَمُّلِ مَذْهَبُنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْقَاتِلُ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ بَلْ تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ الْكُلَّ دُونَ الْقَاتِلِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ يَتَحَمَّلُ الْقَاتِلُ دُونَ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخَذَ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا} وَقَالَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَلِهَذَا لَمْ تَتَحَمَّلْ الْعَاقِلَةُ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ، وَلَا مَا دُونَ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، كَذَا هَذَا.
(وَلَنَا) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبَةِ»، وَكَذَا قَضَى سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ فَنَقُولُ بِمُوجَبِهَا لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَخْذٌ بِغَيْرِ ذَنْبٍ؟، فَإِنَّ حِفْظَ الْقَاتِلِ وَاجِبٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَحْفَظُوا فَقَدْ فَرَّطُوا، وَالتَّفْرِيطُ مِنْهُمْ ذَنْبٌ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ إنَّمَا يَقْتُلُ بِظَهْرِ عَشِيرَتِهِ فَكَانُوا كَالْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الْقَتْلِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ كَثِيرٌ فَإِلْزَامُ الْكُلَّ الْقَاتِلَ إجْحَافٌ بِهِ فَيُشَارَكُهُ الْعَاقِلَةُ فِي التَّحَمُّلِ تَخْفِيفًا، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ التَّخْفِيفَ؛ لِأَنَّهُ خَاطِئٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ ضَمَانَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَالِ لَا يَكْثُرُ عَادَةً فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّخْفِيفِ، وَمَا دُونَ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ ضَمَانِ الْأَمْوَالِ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ «قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ» فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْقَاتِلُ، وَإِنَّا نَقُولُ نَعَمْ، لَكِنْ مَعْلُولًا بِالنُّصْرَةِ وَالْحِفْظِ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْجَبُ فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْعَاقِلَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَفْسِيرِ الْعَاقِلَةِ مَنْ هُمْ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ الْقَدْرِ الَّذِي تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَالْقَاتِلُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَإِمَّا إنْ كَانَ مُعْتَقًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ، فَإِنْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ فَعَاقِلَتُهُ أَهْلُ دِيوَانِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَهُمْ الْمُقَاتِلَةُ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ تُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ، وَهَذَا عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ مِنْ النَّسَبِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ الدِّيَاتُ عَلَى الْقَبَائِلِ فَلَمَّا وَضَعَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدَّوَاوِينَ جَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الدَّوَاوِينِ، فَإِنْ قِيلَ: «قَضَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ النَّسَبِ إذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دِيوَانٌ» فَكَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مُخَالِفَتِهِ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَالْجَوَابُ لَوْ كَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَكَانَ يَجِبُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخَالِفُ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ وَكَانَ فِعْلُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَا يُظَنُّ مِنْ عُمُومِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالَفَةُ فِعْلِهِ؟ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَدَلَّ أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ كَانَ مَعْلُولًا بِالنُّصْرَةِ، وَإِذَا صَارَتْ النُّصْرَةُ فِي زَمَانِهِمْ الدِّيوَانَ نَقَلُوا الْعَقْلَ إلَى الدِّيوَانِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةَ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَمُّلَ مِنْ الْعَاقِلَةِ لِلتَّنَاصُرِ، وَقَبْلَ وَضْعِ الدِّيوَانِ كَانَ التَّنَاصُرُ بِالْقَبِيلَةِ، وَبَعْدَ الْوَضْعِ صَارَ التَّنَاصُرُ بِالدِّيوَانِ، فَصَارَ عَاقِلَةُ الرَّجُلِ أَهْلَ دِيوَانِهِ.
وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ النِّسَاءِ، وَالصَّبِيَّانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا الضَّمَانَ صِلَةٌ، وَتَبَرُّعٌ بِالْإِعَانَةِ، وَالصِّبْيَانُ، وَالْمَجَانِينُ، وَالْمَمَالِيكُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دِيوَانٌ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ اسْتِنْصَارَهُ بِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُعْتَقًا أَوْ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَعَاقِلَتُهُ مَوْلَاهُ، وَقَبِيلَةُ مَوْلَاهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ثُمَّ عَاقِلَةُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى قَبِيلَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، فَكَذَا عَاقِلَةُ مَوْلَاهُ، وَلِأَنَّ اسْتِنْصَارَهُ بِمَوْلَاهُ وَقَبِيلَتِهِ فَكَانُوا عَاقِلَتَهُ، هَذَا إذَا كَانَ لِلْقَاتِلِ عَاقِلَةٌ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ كَاللَّقِيطِ، وَالْحَرْبِيِّ أَوْ الذِّمِّيِّ الَّذِي أَسْلَمَ فَعَاقِلَتُهُ بَيْتُ الْمَالِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْوُجُوبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْأَخْذُ مِنْ الْعَاقِلَةِ بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ يُرَدُّ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى حُكْمِ الْأَصْلِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَكَانِ التَّنَاصُرِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ كَانَ اسْتِنْصَارُهُ بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْتُ الْمَالِ مَالُهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ عَاقِلَتُهُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مِقْدَارِ مَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَالتَّبَرُّعِ تَخْفِيفًا عَلَى الْقَاتِلِ، فَلَا يَجُوزُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِمْ بِالزِّيَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ إذَا كَانَ فِي الْعَاقِلَةِ كَثْرَةٌ، فَإِنْ قَلَّتْ الْعَاقِلَةُ حَتَّى أَصَابَ الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُضَمُّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ مِنْ النَّسَبِ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ أَوْ لَا، وَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ، وَيَدْخُلُ الْقَاتِلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ وَيَكُونُ فِيمَا يُؤَدِّي كَأَحَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ جِنَايَةً وُجِدَتْ مِنْهُ، وَضَمَانًا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِ الدِّيَةِ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ تَجِبُ مُؤَجَّلَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى بِذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ خَالَفَهُ أَحَدٌ فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَتُؤْخَذُ مِنْ ثَلَاثِ عَطَايَا إنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَطِيَّةً، فَإِنْ تَعَجَّلَ الْعَطَايَا الثَّلَاثَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يُؤْخَذُ الْكُلُّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ يَتَأَخَّرُ حَقُّ الْأَخْذِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ قَبِيلَتِهِ مِنْ النَّسَبِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الدِّيَةَ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ تَجِبُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَتْلِ إخْبَارٌ عَنْ وُجُودِ الْقَتْلِ، وَإِنَّهُ يُوجِبُ حَقًّا مُؤَجَّلًا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَيَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي مَالِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ، وَالْعَمْدِ الَّذِي دَخَلَتْهُ شُبْهَةٌ، وَهُوَ الْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا، قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إنَّهَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إلَّا أَنَّ دِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَدِيَةُ الْعَمْدِ فِي مَالِ الْأَبِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: دِيَةُ الدَّمِ كَدِيَةِ الْعَمْدِ تَجِبُ حَالًا وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ حَالًا فَتَجِبُ الدِّيَةَ حَالًا، إذْ الْحُكْمُ يَثْبُتُ عَلَى وَفْقِ السَّبَبِ هُوَ الْأَصْلُ، إلَّا أَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الْخَطَأِ ثَبَتَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْأَصْلِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَوْ يَثْبُتُ مَعْلُولًا بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الْقَاتِلِ حَتَّى تَحْمِلَ عَنْهُ الْعَاقِلَة.
وَالْعَامِدُ يَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ فِي مَالِهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ.
(
وَلَنَا) أَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَالنَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْخَطَأِ لَكِنَّ غَيْرَهُ مُلْحَقٌ بِهِ، إلَّا أَنَّهُ مُجْمَلٌ فِي بَيَانِ الْقَدْرِ، وَالْوَصْفِ فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْرَ الدِّيَةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَبَيَانُ الْوَصْفِ وَهُوَ الْأَجَلُ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَضِيَّةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ فَصَارَ الْأَجَلُ وَصْفًا لِكُلِّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ، وَقَوْلُهُ: دِيَةُ الْخَطَأِ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ التَّخْفِيفِ وَالْعَامِدُ يَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ، قُلْنَا: وَقَدْ غَلَّظْنَا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِإِيجَابِ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَالثَّانِي: بِالْإِيجَابِ فِي مَالِهِ، وَالْجَانِي لَا يَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الدِّيَةِ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ أَوْ تَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فَذَلِكَ الْجُزْءُ تَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، كَالْعَشَرَةِ إذَا قَتَلُوا رَجُلًا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَعَاقِلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَتَحَمَّلُ عُشْرَهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَكَذَلِكَ الْعَشَرَةُ إذَا قَتَلُوا رَجُلًا وَأَحَدُهُمْ أَبُوهُ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي مَالِهِمْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مِنْ دِيَةٍ مُؤَجَّلَةٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَكَانَ تَأْجِيلُ الدِّيَةِ تَأْجِيلًا لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا إذْ الْجُزْءُ لَا يُخَالِفُ الْكُلَّ فِي وَصْفِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ بَدَلَ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ يَجِبُ فِي مَالِهِ حَالًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْقَتْلِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَلَا يَتَأَجَّلُ إلَّا بِالشَّرْطِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا قَتَلَ إنْسَانًا خَطَأً وَاخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ يَجِبُ الْفِدَاءُ حَالًا؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ لَمْ يَجِبْ بِالْقَتْلِ بَدَلًا مِنْ الْقَتِيلِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا عَنْ دَفْعِ الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ لَوْ دَفَعَ يَدْفَعُ حَالًا، فَكَذَلِكَ بَدَلُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ هَذَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا.
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا فَالْعَبْدُ الْمَقْتُولُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ عَبْدَ أَجْنَبِيٍّ (وَإِمَّا) أَنْ كَانَ عَبْدًا لِقَاتِلٍ، فَإِنْ كَانَ عَبْدَ أَجْنَبِيٍّ فَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَتْلِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْقِيمَةِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِيمَةِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْهَا، وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَتَحَمَّلُهُ، وَفِي بَيَان كَيْفِيَّةِ الْوُجُوبِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْعَبْدُ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ.
(وَإِمَّا) إنْ كَانَ كَثِيرَ الْقِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ بِأَنْ كَانَ قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجِبُ عَشَرَةُ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا.
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدنَا عُثْمَانَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مِثْلُ مَذْهَبِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَبْدَ آدَمِيٌّ وَمَالٌ؛ لِوُجُودِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ فِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرٌ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، وَبِالْقَتْلِ فَوْتُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فلابد مِنْ إيجَابِهِ بِمُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا وَإِهْدَارِ الْآخَرِ، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ، فَادَّعَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّرْجِيحَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَاجِبَ مَالٌ، وَمُقَابَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ أَوْلَى مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَالِ بِالْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ الْوَارِدِ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالْمِثْلِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْمَالِ وَالْآدَمِيِّ، فَكَانَ إيجَابُهُ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ، فَكَانَ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ حَقًّا لِلْعَبْدِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَجِبُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ.
وَفِي إيجَابِ الضَّمَانِ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ جَبْرُ حَقِّ الْمُفَوَّتِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(وَلَنَا) النَّصُّ وَدَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولُ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَهَذَا مُؤْمِنٌ قُتِلَ خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَالدِّيَةُ ضَمَانُ الدَّمِ، وَضَمَانُ الدَّمِ لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَأَمَّا) دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ أَنَّا أَجْمَعنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقِصَاصِ يَصِحُّ وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمَوْلَى، لَوْلَا أَنَّ التَّرْجِيحَ لِمَعْنَى الْآدَمِيَّةِ لَمَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إقْرَارُهُ إهْدَارًا لِمَالِ الْمَوْلَى قَصْدًا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
(وَأَمَّا) الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآدَمِيَّةَ فِيهِ أَصْلٌ، وَالْمَالِيَّةَ عَارِضٌ، وَتَبَعٌ، وَالْعَارِضُ لَا يُعَارِضُ وَالتَّبَعُ لَا يُعَارِضُ الْأَصْلَ، وَالتَّبَعُ لَا يُعَارِضُ الْأَصْلَ الْمَتْبُوعَ، وَدَلِيلُ أَصَالَةِ الْآدَمِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ خُلِقَ خَلْقًا آدَمِيًّا ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ وَصْفُ الْمَالِيَّةِ بِعَارِضِ الرِّقِّ، وَالثَّانِي: أَنَّ قِيَامَ الْمَالِيَّةِ فِيهِ بِالْآدَمِيَّةِ وُجُودًا وَبَقَاءً لَا عَلَى الْقَلْبِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَالَ خُلِقَ وِقَايَةً لِلنَّفْسِ، وَالنَّفْسُ مَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْمَالِ، فَكَانَتْ الْآدَمِيَّةُ فِيهِ أَصْلًا وُجُودًا وَبَقَاءً وَعَرَضًا، وَالثَّانِي: أَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ فَوْقَ حُرْمَةِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ، وَحُرْمَةَ الْآدَمِيِّ لِعَيْنِهِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ النَّفْسِيَّةِ، وَإِهْدَارُ الْمَالِيَّةِ أَوْلَى مِنْ الْقَلْبِ، إلَّا أَنَّهُ نَقَصَتْ دِيَتُهُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ لِكَوْنِ الْكُفْرِ مُنْقِصًا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِظْهَارًا لِشَرَفِ الْحُرِّيَّةِ، وَتَقْدِيرُ النُّقْصَانِ بِالْعَشَرَةِ ثَبَتَ تَوْفِيقًا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُنْقَصُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَقَادِيرِ، أَوْ لِأَنَّ هَذَا أَدْنَى مَالٍ لَهُ فِي خَطَرِ الشَّرْعِ كَمَا فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ قَوْلُهُ: الْمَالُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلْآدَمِيِّ قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ لِشَرَفِ الْآدَمِيِّ وَجْهُ الْمَالِ لَمْ يُجْعَلْ مِثْلًا لَهُ عِنْدَ إمْكَانِ إيجَابِ مَا هُوَ مِثْلٌ لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ النَّفْسُ، فَأَمَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ اعْتِبَارِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَاعْتِبَارُ الْمِثْلِ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنْ الْإِهْدَارِ، وَقَوْلُهُ: الْجَبْرُ فِي الْمَالِ أَبْلَغُ قُلْنَا: بَلَى، لَكِنَّ فِيهِ إهْدَارَ الْآدَمِيِّ، وَمُقَابَلَةُ الْجَابِرِ بِالْآدَمِيِّ الْفَائِتِ أَوْلَى مِنْ الْمُقَابَلَةِ بِالْمَالِ الْهَالِكِ، وَإِنْ كَانَ الْجَبْرُ ثَمَّةَ أَكْثَرَ لَكِنْ فِيهِ اعْتِبَارَ جَانِبِ الْمَوْلَى فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ، وَفِيمَا قُلْنَا الْجَبْرُ أَقَلُّ لَكِنَّ فِيهِ اعْتِبَارُ جَانِبِ نَفْسِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَحُرْمَةُ الْآدَمِيِّ لَعَيْنِهِ، فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى.
وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ أَمَةً فَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الْقِيمَةِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةُ الْقِيمَةِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ يَجِبُ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُ، فَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَبْلُغُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَالْكَلَامُ فِي الْأَمَةِ كَالْكَلَامِ فِي الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَنْقُصُ مِنْهَا عَشَرَةٌ كَمَا نَقَصَتْ مِنْ دِيَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ دِيَةُ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْأَمَةِ فَيَنْقُصُ فِي الْعَبْدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ تَزِيدُ نِصْفُ قِيمَتُهُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ أَنَّهُ تَجِبُ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا خَمْسَةً؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ لَيْسَ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ، بَلْ هُوَ بَعْضُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْهُ نِصْفٌ، فَيَجِبُ نِصْفُ مَا يَجِبُ فِي الْكُلِّ، وَالْوَاجِبُ فِي الْأُنْثَى لَيْسَ بَعْضَ دِيَةِ الذَّكَرِ بَلْ هُوَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي نَفْسِهَا، لَكِنَّهَا دِيَةُ الْأُنْثَى.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ يَتَحَمَّلُهَا فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ مِنْهُ، وَهُوَ الْقَتْلُ، وَتَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ فِي قَوْلِهِمَا، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا: أَنَّ عِنْدَهُمَا ضَمَانَ الْعَبْدِ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِ، وَضَمَانَ النَّفْسِ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ.
وَكَدِيَةِ الْحُرِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ، وَضَمَانَ الْمَالِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ بَلْ يَكُونُ فِي مَالِ الْمُتْلِفِ كَضَمَانِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ أَنْ يُقَدَّرَ عَشَرَةَ آلَافٍ تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَا تَعْقِلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ.
(وَأَمَّا) كَيْفِيَّةُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا، وَقَدْرُ مَا يَتَحَمَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَا ذَكَرْنَا فِي دِيَةِ الْحُرِّ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَالثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُدَبَّرَ إنْسَانٍ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ مُكَاتَبَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ الْقَاتِلِ فَجِنَايَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ هَدْرٌ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ مُدَبَّرُهُ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبَهُ فَجِنَايَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ لَازِمَةٌ، وَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى كَسْبِهِ وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ حُرٌّ فَكَانَ كَسْبُهُ، وَأَرْشُهُ لَهُ فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْلَى وَالْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ، وَلَا تَعْقِلُهَا الْعَاقِلَةُ بَلْ تَكُونُ عَلَى مَالِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا»، وَالْمُكَاتَبُ عِنْدَنَا عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ؛ وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ جِنَايَتَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ.
وَالْعَقْدُ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّ الْعَاقِلَةِ، وَلِهَذَا لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ الِاعْتِرَافَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُقِرِّ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ جِنَايَةُ الْمَوْلَى عَلَى رَقِيقِ الْمُكَاتَبِ، وَعَلَى مَالِهِ لَازِمَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ الْمَوْلَى، وَالْمَوْلَى كَالْأَجْنَبِيِّ فِيهِ.
وَكَذَا إذَا كَانَ مَأْذُونًا مَدْيُونًا فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِرَقَبَتِهِ، وَبِالْقَتْلِ أَبْطَلَ مَحَلَّ حَقِّهِمْ فَتَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَتَكُونُ فِي مَالِهِ بِالنَّصِّ، وَتَكُونُ حَالَّةً؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافِ الْمَالِ.
هَذَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا وَالْمَقْتُولُ حُرًّا فَالْحُرُّ الْمَقْتُولُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا أَوْ يَكُونَ وَلِيَ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَالْعَبْدُ الْقَاتِلُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا، فَإِنْ كَانَ قُلْنَا: يَدْفَعُ إذَا ظَهَرَتْ جِنَايَتُهُ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فلابد مِنْ بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ هَذِهِ الْجِنَايَةُ، وَبَيَانِ حُكْمِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَبَيَانِ صِفَةِ الْحُكْمِ، وَبَيَانِ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَشَرْطِ صِحَّةِ الِاخْتِيَارِ، وَبَيَانِ صِفَةِ الْفِدَاءِ الْوَاجِبِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهَذِهِ الْجِنَايَةُ تَظْهَرُ بِالْبَيِّنَةِ وَإِقْرَارِ الْمَوْلَى وَعِلْمِ الْقَاضِي، وَلَا تَظْهَرُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ مَحْجُورًا كَانَ أَوْ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ بِالْإِذْنِ بِالتِّجَارَةِ مَا كَانَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْجِنَايَةِ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ إقْرَارِهِ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَوْلَاهُ، فَكَانَ هَذَا إقْرَارًا عَلَى الْمَوْلَى حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى صَحَّ إقْرَارَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْعَتَاقِ أَنَّهُ كَانَ جَنَى فِي حَالِ الرِّقِّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا إقْرَارٌ لَهُ عَلَى الْمَوْلَى، أَلَّا يُرَى لَوْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى وَأَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ؟ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حُكْمُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَوَجَبَ دَفْعُ الْعَبْدِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حُكْمُهَا تَعَلُّقُ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ يُبَاعُ فِيهِ وَيُسْتَوْفَى الْأَرْشُ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَالْفَضْلُ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِالْأَرْشِ يُتْبَعُ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ الْعَتَاقِ، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَخْلِصَهُ، وَيُؤَدِّيَ الْأَرْشَ مِنْ مَالٍ آخَرَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي ضَمَانِ الْجِنَايَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَانِي، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ أَوْ تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ، وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَاقِلَةَ فَتَعَذَّرَ الْإِيجَابُ عَلَيْهِ، فَتَجِبُ فِي رَقَبَتِهِ، يُبَاعُ فِيهِ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي الْأَمْوَالِ.
(وَلَنَا) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِثْلُ مَذْهَبِنَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَيَكُونَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِمُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ، وَدَيْنُ الِاسْتِهْلَاكِ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَأَمَّا صِفَةُ هَذَا الْحُكْمِ فَصَيْرُورَةُ الْعَبْدِ وَاجِبُ الدَّفْعِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ، كَثُرَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ قَلَّتْ، وَعِنْدَ اخْتِيَارِ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ مِنْ الدَّفْعِ إلَى الْفِدَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ وَاحِدًا دَفَعَ إلَيْهِ، وَيَصِيرُ كُلُّهُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً يَدْفَعُ إلَيْهِمْ، وَكَانَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أُرُوشِ جِنَايَتِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ وَقْتَ الْجِنَايَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ.
إذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي قَبْلَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ بَطَلَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَفْعُ الْعَبْدِ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ هَلَاكِ الْعَبْدِ فَيَسْقُطُ الْحَقُّ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: حُكْمُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ تَخَيُّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَعَيَّنَ الْفِدَاءُ عِنْدَ هَلَاكِ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُخَيَّرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ لَا يَبْرَأُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَقَدْ انْتَقَلَ الْحَقُّ مِنْ رَقَبَتِهِ إلَى ذِمَّةِ الْمَوْلَى فَلَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِهَلَاكِ الْعَبْدِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَقَلُّ مِنْ الدِّيَةِ فَلَيْسَ عَلَى الْمَوْلَى إلَّا الدَّفْعُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ حُكْمُهُ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ قَلِيلِ الْقِيمَةِ وَكَثِيرِهَا فَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَإِنْ شَاءَ الْمَوْلَى دَفَعَهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُ حَقَّ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ التَّعَلُّقَ فَالْحَقُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَإِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِمْ كَانَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ قَدْرَ أُرُوشِ جِنَايَتِهِمْ، فَإِنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْعَبْدِ عِوَضٌ عَنْ الْفَائِتِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْفَائِتِ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ الْعَبْدَ، وَغُرِّمَ الْجِنَايَاتِ بِكَمَالِ أُرُوشِهَا، وَلَوْ أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يَدْفَعَ مِنْ الْعَبْدِ إلَى بَعْضِهِمْ مِقْدَارَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ وَيَفْدِي بَعْضَ الْجِنَايَاتِ لَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقَتِيلُ وَاحِدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَأَرَادَ الْمَوْلَى دَفْعَ الْعَبْدِ إلَى أَحَدِهِمَا، وَالْفِدَاءَ إلَى الْآخَرِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ هُنَاكَ وَاحِدَةٌ، وَلَهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَعِنْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ وُجُوبُ الْفِدَاءِ عَلَى التَّعْيِين، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ فِي جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَنَى عَلَى جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ هُنَاكَ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَهُ خِيَارُ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالدَّفْعُ فِي الْبَعْضِ وَالْفِدَاءُ فِي الْبَعْضِ لَا يَكُونُ جَمَعَا بَيْنَ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ الْفَرْقُ، وَلَوْ قَتَلَ إنْسَانًا، وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ، فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَهُ إلَيْهِمَا أَثَلَاثًا لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمَا بِالْعَبْدِ أَثْلَاثًا، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى عَنْ كُلِّ جِنَايَةٍ بِأَرْشِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا شَجَّ إنْسَانًا شِجَاجًا مُخْتَلِفَةً أَنَّهُ إنْ دَفَعَ الْعَبْدَ إلَيْهِمْ كَانَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى عَنْ الْكُلِّ بِأَرْشِهَا.
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا، وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ، وَلَا يَبْطُلُ الدَّيْنُ بِحُدُوثِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ وُجُوبُ الدَّفْعِ، وَتَعَلُّقُ الدَّيْنَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الدَّفْعِ إلَّا أَنَّهُ يَدْفَعُهُ مَشْغُولًا بِالدَّيْنِ، فَإِنْ فَدَى بِالدِّيَةِ يُبَاعُ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَدَى فَقَدْ طَهُرَتْ رَقَبَةُ الْعَبْدِ عَنْ الْجِنَايَةِ فَيُبَاعُ، إلَّا أَنْ يَسْتَخْلِصَهُ الْمَوْلَى لِنَفْسِهِ، وَيَقْضِيَ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ يُبَاعُ لِأَجْلِ الْغُرَمَاءِ فِي دَيْنِهِمْ، وَإِنَّمَا بُدِئَ بِالدَّفْعِ لَا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الْحَقَّيْنِ: حَقَّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ، وَحَقَّ أَصْحَابِ الدَّيْنِ بِالْبَيْعِ لَهُمْ.
وَلَوْ بُدِئَ بِالدَّيْنِ فَبَيْعَ بِهِ لَبَطُلَ حَقُّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ فِي الدَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ يَصِيرُ مِلْكًا لَلْمُشْتَرِي، لِذَلِكَ بُدِئَ بِالدَّفْعِ، وَفَائِدَةُ الدَّفْعِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ ثُمَّ الْبَيْعُ هِيَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمْ حَقُّ اسْتِخْلَاصِ الْعَبْدِ بِالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ أَغْرَاضًا فِي الْأَعْيَانِ، ثُمَّ إذَا بِيعَ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ كَانَ الْفَضْلُ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِيعَ عَلَى مِلْكِهِمْ لِصَيْرُورَتِهِ مِلْكًا لَهُمْ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِالدِّينِ يَتَأَخَّرُ مَا بَقِيَ إلَى مَا بَعْدِ الْعَتَاقِ، كَمَا لَوْ بِيعَ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَضْمَنُ الْمَوْلَى لِأَصْحَابِ الدَّيْنِ بِدَفْعِ الْعَبْدِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ شَيْئًا اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ يَضْمَنَ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِمْ تَمْلِيكٌ مِنْهُمْ بَعْدَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُمْ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْهُمْ لَضَمِنَ، كَذَا هَذَا.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الدَّفْعَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ رِعَايَةِ الْحَقَّيْنِ لِمَا بَيَّنَّا، وَمَنْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ حَضَرَ الْغُرَمَاءُ أَوَّلًا فَبَاعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي يُنْظَرُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَلَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالَمٍ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ الْأَرْشِ، وَهُوَ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَالَمًا بِالْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُ الْعَبْدَ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ فَبَاعَهُ بِالدَّيْنِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُ أَوْ بِعِلْمِهِ ثُمَّ حَضَرَ أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ وَلَا فَضْلَ فِي الثَّمَنِ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ، وَسَقَطَ حَقُّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ مَاتَ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَضْمِينِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَصْنَعُهُ أَمِينٌ فَلَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ وَدَفَعَ بِالْجِنَايَةِ لَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْبَيْعِ ثَانِيًا، فَتَعَذَّرَ الْقَوْلُ بِالْفَسْخِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ مَاتَ، وَلَوْ مَاتَ لَبَطَلَ حَقُّ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ أَصْلًا، كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْجَانِيَ قَبْلَ الدَّفْعِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا يَأْخُذُ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ، وَيَدْفَعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ إنْ كَانَ وَاحِدًا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً يَدْفَعُهَا إلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلُ الْعَبْدِ فَتَقُومُ مَقَامَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمَوْلَى بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالْفِدَاءِ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَلَوْ تَصَرَّفَ فِي الْعَبْدِ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْأَرْشِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّخْيِيرِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الْأَرْشِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ فَلِلنَّاسِ رَغَائِبُ فِي الْأَعْيَانِ، وَكَذَلِكَ قَتَلَهُ عَبْدُ أَجْنَبِيٍّ فَخُيِّرَ مَوْلَاهُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، وَفَدَى بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ أَنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُ الْقِيمَةَ وَيَدْفَعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ دَفَعَ الْقَاتِلَ إلَى مَوْلَى الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ يُخَيَّرُ مَوْلَى الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْقَاتِلَ قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ لَحْمًا وَدَمًا، فَكَانَ الْأَوَّلُ قَائِمًا، وَإِنْ قَتَلَهُ عَبْدٌ آخَرُ لِمَوْلَاهُ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى فِي شَيْئَيْنِ فِي الْعَبْدِ الْقَاتِلِ: بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِالْعَبْدِ جَعَلَ الْمَوْلَى كَالْأَجْنَبِيِّ، فَصَارَ كَأَنَّ عَبْدَ أَجْنَبِيٍّ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ، وَهُنَاكَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ رَجُلًا خَطَأً، وَقَتَلَتْ أَمَةٌ لِمَوْلَاهُ هَذَا الْعَبْدَ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ دَفْعِهَا وَفِدَائِهَا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، وَقَتَلَتْ أَمَةٌ لِمَوْلَاهُ رَجُلًا آخَرَ خَطَأً ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ قَتَلَ الْأَمَةَ خُيِّرَ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى بِالدِّيَةِ وَقِيمَةِ الْأَمَةِ، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ ضَرَبَ فِيهِ أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْعَبْدِ بِالدِّيَةِ، وَأَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْأَمَةِ بِقِيمَةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهَا كَالْجِنَايَةِ عَلَى أَمَةِ أَجْنَبِيٍّ قَتَلَتْ رَجُلًا خَطَأً، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَمَةِ أَلْفًا كَانَ الْعَبْدُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا: سَهْمٌ لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأَمَةِ، وَعَشَرَةُ أَسْهُمٍ لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْعَبْدِ، فَإِنْ قَطَعَ عَبْدٌ لِأَجْنَبِيٍّ يَدَ الْعَبْدِ الْجَانِي أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً فَخُيِّرَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْقَاطِعِ أَوْ الْفَاقِئِ أَوْ الْجَارِحِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ دَفَعَ عَبْدَهُ أَوْ فَدَاهُ بِالْأَرْشِ فَمَوْلَى الْعَبْدِ الْمَقْطُوعِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ شَاءَ دَفَعَ عَبْدَهُ الْمَقْطُوعَ مَعَ الْعَبْدِ الْقَاطِعِ أَوْ مَعَ أَرْشِ يَدِ عَبْدِهِ الْمَقْطُوعِ، وَإِنْ شَاءَ فَدَى عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَقْطُوعَ كَانَ وَاجِبَ الدَّفْعِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَأَرْشُ يَدِهِ بَدَلُ جُزْئِهِ، وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ قَائِمٌ مَقَامَ يَدِهِ، فَكَانَ وَاجِبَ الدَّفْعِ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْفِدَاءَ فَيُنْقَلُ الْحَقُّ مِنْ الْعَبْدِ إلَى الْأَرْشِ، وَلَوْ كَسَبَ الْعَبْدُ الْجَانِي كَسْبًا أَوْ كَانَ الْجَانِي أَمَةً فَوَلَدَتْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَاخْتَارَ الْمَوْلَى الدَّفْعَ لَمْ يَدْفَعْ الْكَسْبَ وَلَا الْوَلَدَ، بِخِلَافِ الْأَرْشِ أَنَّهُ يُدْفَعُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَرْشَ بَدَلُ جُزْءٍ كَانَ وَاجِبَ الدَّفْعِ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ بِخِلَافِ الْكَسْبِ وَالْوَلَدِ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ فَأَخَذَ الْمَوْلَى الْأَرْشَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ فَادَّعَى الْمَوْلَى أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ قَبْلَ جِنَايَتِهِ.
وَأَنَّ الْأَرْشَ سَالِمٌ لَهُ، وَادَّعَى وَلِيُّ الْجِنَايَةِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الدَّفْعِ مَعَ الْعَبْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ مِلْكُ الْمَوْلَى كَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ، فَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ يَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ تَمْلِيكِ مَالٍ هُوَ مِلْكُهُ مِنْهُ، وَهُوَ يُنْكِرُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُ عَبْدٍ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ، وَأَخَذَ الْمَوْلَى الْأَرْشَ ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً، فَإِنْ شَاءَ الْمَوْلَى اخْتَارَ الْفِدَاءَ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ الْعَبْدَ كَذَلِكَ نَاقِصًا، وَسَلَّمَ لَهُ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ كَانَ عِنْدَ الْجِنَايَةِ نَاقِصًا بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ مَعَ أَرْشِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَقْتَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ كَانَ وَاجِبَ الدَّفْعِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَالْأَرْشُ بَدَلُ الْجُزْءِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ مَعَ الْعَبْدِ.
وَلَوْ قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ قَتَلَ قَتِيلًا آخَرَ خَطَأً فَأَرْشُ يَدِهِ يُسَلَّمُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَقْتَ الْجِنَايَةِ، وَالْأَرْشُ بَدَلُ الْجُزْءِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فَيَسْلَمُ لَهُ، فَأَمَّا حَقُّ الثَّانِي فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْجُزْءِ لِانْعِدَامِهِ وَقْتَ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ يُدْفَعُ الْعَبْدُ فَيَكُونُ بَيْنَ وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى تِسْعَةٍ، وَثَمَانِينَ جُزْءًا؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَنَقُولُ: حَقُّ وَلِيِّ كُلِّ جِنَايَةٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَدْ اسْتَوْفَى وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى مِنْ حَقِّهِ خَمْسَمِائَةٍ فَيُجْعَلُ كُلُّ خَمْسِمِائَةٍ سَهْمًا فَيَكُونُ كُلُّ الْعَبْدِ أَرْبَعِينَ سَهْمًا، حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عِشْرِينَ، وَقَدْ أَخَذَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى مِنْ حَقِّهِ خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ بَقِيَ حَقُّهُ فِي تِسْعَةِ عَشَرَ سَهْمًا وَلَمْ يَأْخُذْ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا، فَبَقِيَ حَقُّهُ فِي عِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْعَبْدِ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْشُهَا.
وَلَوْ شَجَّ إنْسَانًا مُوضِحَةً، وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ، وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ بِأَرْشِهَا، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَهُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا: سَهْمٌ لِصَاحِبِ الْمُوضِحَةِ، وَعِشْرُونَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قِسْمَةَ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ تَعَلُّقِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ، وَصَاحِبُ الْمُوضِحَةِ حَقُّهُ فِي خَمْسِمِائَةٍ.
وَحَقُّ وَلِيِّ الْقَتِيلِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ فَيُجْعَلُ كُلُّ خَمْسِمِائَةٍ سَهْمًا، فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ، وَمَا حَدَثَ مِنْ زِيَادَةِ الْقِيمَةِ لِلْعَبْدِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الشَّرِكَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الْأَصْلِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ فِي الْأَصْلِ ثَبَتَتْ فِي الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا خَطَأً، وَقِيمَتُهُ وَقْتَ الْقَتْلِ أَلْفَانِ ثُمَّ عَمِّي بَعْدَ الْقَتْلِ قَبْلَ الشَّجَّةِ ثُمَّ شَجَّ إنْسَانًا مُوضِحَةً كَانَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ.
وَمَا حَدَثَ فِيهِ مِنْ النُّقْصَانِ فَهُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ جَنَى جِنَايَةً فَفَدَاهُ الْمَوْلَى ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى خُيِّرَ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَدَى فَقَدْ طَهَّرَ الْعَبْدَ عَنْ الْجِنَايَةِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، فَإِذَا جَنَى بَعْدَ ذَلِكَ فَهَذِهِ جِنَايَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، فَيُبْتَدَأُ بِحُكْمِهَا، وَهُوَ الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَنَى ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى قَبْلَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا أَوْ يَفْدِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَفْدِ لِلْأُولَى حَتَّى جَنَى ثَانِيًا فَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ، فَيَدْفَعُ إلَيْهِمَا أَوْ يَفْدِي، وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَدَفَعَهُ الْمَوْلَى إلَى أَحَدِهِمَا فَقَتَلَ عَبْدُهُ رَجُلًا آخَرَ ثُمَّ حَضَرُوا، يُقَالُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ ادْفَعْ نِصْفَ الْعَبْدِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَى الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى الَّذِي لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ.
(أَمَّا) وُجُوبُ دَفْعِ نِصْفِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِيَ أَوْ الْفِدَاءِ فَلِأَنَّهُ مَلَكَ نِصْفَ الْعَبْدِ بِالدَّفْعِ، فَيُخَيَّرُ فِي جِنَايَتِهِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ.
(وَأَمَّا) وُجُوبُ رَدِّ نِصْفِ الْعَبْدِ إلَى الْمَوْلَى فَلِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» وَلَا يُخَيَّرُ الْمَوْلَى فِي النِّصْفِ بَيْنَ الدَّفْعِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ وَبَيْنَ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْجِنَايَةِ الْأُولَى كَانَ كُلُّ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِهِ، وَوَقْتَ وُجُودِ الثَّانِيَةِ كَانَ نِصْفُهُ عَلَى مِلْكِهِ فَيُوجَبُ الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَإِنْ دَفَعَ دَفَعَ نِصْفَ الْعَبْدِ إلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ عَلَى قَدْرِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ، وَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ بِنِصْفٍ، فَيَكُونُ نِصْفُ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَدْ كَانَ، وَصَلَ النِّصْفُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، وَوَصَلَ إلَيْهِ بِالدَّفْعِ مِنْ الْمَوْلَى الرُّبْعُ فَسَلِمَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ، وَسَلِمَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى الَّذِي لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ الْعَبْدُ الرُّبْعُ، فَصَارَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَرُبْعُهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، وَبَقِيَ إلَى تَمَامِ حَقِّهِ الرُّبْعُ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ الْمَوْلَى دَفَعَ كُلَّ الْعَبْدِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِقَضَاءٍ لَا يَضْمَنُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إذَا كَانَ بِقَضَاءٍ كَانَ هُوَ مُضْطَرًّا فِي الدَّفْعِ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَضْمِينِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ فِيمَا يَصْنَعُ أَمِينٌ فَلَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ، وَيُضَمَّنُ الْقَابِضُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْقَبْضُ بِغَيْرِ حَقٍّ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ كَقَبْضِ الْغَصْبِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ بِالرَّدِّ إلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبَضَ الْعَبْدَ فَارِغًا، وَرَدَّهُ مَشْغُولًا، وَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ الَّذِي لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَلِيَّ رُبْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَابِضَ؛ لِيَسْلَمَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ، رُبْعُهُ لَحْمٌ وَدَمٌ، وَرُبْعُهُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: الدَّفْعُ مِنْ الْمَوْلَى، وَالْقَبْضُ مِنْ الْقَابِضِ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمَوْلَى فَالْمَوْلَى يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقَابِضِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ حَاصِلَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ قَتِيلَيْنِ خَطَأً فَدَفَعَهُ الْمَوْلَى إلَى أَحَدِ وَلِيَّيْ الْقَتِيلَيْنِ فَقَتَلَ عِنْدَهُ قَتِيلًا آخَرَ وَاجْتَمَعُوا.
فَإِنَّ الْقَابِضَ يَدْفَعُ نِصْفَ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ أَوْ يَفْدِي نِصْفَ الْجِنَايَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمَوْلَى: ادْفَعْ النِّصْفَ الْبَاقِي إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ افْدِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ خَمْسَةَ آلَافٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَبَقِيَ حَقُّهُ فِي النِّصْفِ، وَيَفْدِي لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ بِكَمَالِ الدِّيَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ الْعَبْدِ إلَيْهِمَا.
فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِمَا كَانَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا، فَيَضْرِبُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فِيهِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّالِثَةِ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، فَيَصِيرُ نِصْفُ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَثُلُثَهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّالِثَةِ، وَبَقِيَ مِنْ حَقِّ الثَّانِي السُّدْسُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ ثُلُثَا النِّصْفِ، وَهُوَ ثُلُثُ كُلِّ الْعَبْدِ، فَبَقِيَ إلَى تَمَامِ حَقِّهِ السُّدُسُ، فَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي ضَمَّنَ الْقَابِضُ الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ.
فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمَوْلَى، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْقَابِضُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ إنْسَانًا، وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ فَدَفَعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ إلَى الْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ فَقَتَلَ فِي يَدِهِ قَتِيلًا يُقَالُ لِلْمَفْقُوءَةِ عَيْنُهُ ادْفَعْ ثُلُثَ الْعَبْدِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي أَوْ افْدِهِ بِالثُّلُثِ، وَرُدَّ الثُّلُثَيْنِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الثُّلُثَ بِحَقِّ مِلْكِهِ، وَأَخَذَ الثُّلُثَيْنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَى الْمَوْلَى، ثُمَّ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى لِلْأَوَّلِ بِتَمَامِ الدِّيَةِ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَلِلثَّانِي بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَ إلَيْهِمَا مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا فَيَتَضَارَبَانِ، يَضْرِبُ الْأَوَّلُ بِتَمَامِ الدِّيَةِ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَالثَّانِي بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ سِتَّةِ آلَافٍ وَسِتَّةٍ وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ، فَاجْعَلْ كُلَّ أَلْفٍ سَهْمًا وَسِتَّمِائَةٍ، فَيَصِيرُ ثُلُثَا الدِّيَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى سِتَّةِ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثَيْنِ، فَيَكُونُ كُلُّ الْعَبْدِ عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا، وَقَدْ أَخَذَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ الثَّانِي مِنْهُ ثُلُثَهُ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ، وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَشَرَةٌ، وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي سِتَّةٌ، وَثُلُثَانِ، ثُمَّ وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ وَهُوَ الْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ بِسِتَّةِ أَجْزَاءٍ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ جُزْءًا، وَثُلُثَيْ جُزْءٍ مِنْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ حَقَّهُ، وَقَدْ فَاتَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْقَابِضِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ فَيَضْمَنُهُ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَطَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي الْحِسَابِ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ ثُلُثَيْ الْعَبْدِ إلَيْهِمَا، وَضَرَبَ أَحَدَهُمَا بِالدِّيَةِ، وَالْآخَرَ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ يُجْعَلُ كُلُّ ثُلُثٍ سَهْمًا فَيَصِيرُ كُلُّ الدِّيَةِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَثُلُثَا الدِّيَةِ سَهْمَيْنِ، فَيَصِيرُ ثُلُثَا الْعَبْدِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ، وَيَصِيرُ الثُّلُثُ الْآخَرُ سَهْمَيْنِ وَنِصْفَ، فَيَصِيرُ جَمِيعُ الْعَبْدِ عَلَى سَبْعَةٍ وَنِصْفٍ، فَوَقَعَ فِيهِ كَسْرٌ فَيُضَعَّفُ فَيَصِيرُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَالثُّلُثُ مِنْهُ خَمْسَةٌ، وَقَدْ دُفِعَ إلَى الْآخَرِ، وَثُلُثَا الْعَبْدِ عَشَرَةٌ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا فَيُضْرَبُ الْأَوَّلُ بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِهِ، وَهُوَ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَالْآخَرُ بِأَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الْقَابِضِ بِخُمُسِ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَتَلَتْ أَمَةٌ رَجُلًا ثُمَّ وَلَدَتْ بِنْتًا فَقَتَلَتْ الْبِنْتُ رَجُلًا ثُمَّ إنَّ الْبِنْتَ قَتَلَتْ أُمَّهَا فَالْمَوْلَى يُخَيَّرُ بَيْنَ دَفْعِ الْبِنْتِ إلَى وَلِيَّيْ الْجِنَايَتَيْنِ، وَبَيْنَ الْفِدَاءِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى، لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْبِنْتِ بِالدِّيَةِ، وَلِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ بِقِيمَةِ الْأُمِّ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ حَقُّ الدَّفْعِ أُلْحِقَ الْمَوْلَى بِالْأَجْنَبِيِّ، فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا جَنَتْ عَلَى جَارِيَةٍ أُخْرَى لِأَجْنَبِيٍّ، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ ضَرَبَ أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْبِنْتِ بِالدِّيَةِ، وَأَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْأُمِّ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى إحْدَى عَشَرَ سَهْمًا، كُلُّ أَلْفِ دِرْهَمٍ سَهْمٌ، سَهْمٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ، وَعَشَرَةُ أَسْهُمٍ لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْبِنْتِ، وَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ فَقَأَتْ عَيْنَ الْأُمِّ وَلَمْ تَقْتُلْهَا فَالْمَوْلَى يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ يَخْتَارَ دَفْعَهُمَا جَمِيعًا.
(وَإِمَّا) أَنْ يَخْتَارَ فِدَاءَهُمَا جَمِيعًا.
(وَإِمَّا) أَنْ يَخْتَارَ فِدَاءَ الْبِنْتِ وَدَفْعَ الْأُمِّ.
(وَإِمَّا) أَنْ يَخْتَارَ فِدَاءَ الْأُمِّ وَدَفْعَ الْبِنْتِ، فَإِنْ اخْتَارَ دَفَعَهُمَا جَمِيعًا يَدْفَعُ الْأُمَّ إلَى أَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَيَدْفَعُ الْبِنْتَ إلَى أَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْبِنْتِ وَإِلَى أَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ.
وَكَانَتْ مَقْسُومَةً بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ فَيَتَضَارَبُونَ فِيهَا، يَضْرِبُ أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْبِنْتِ فِيهَا بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِكُلِّ الْبِنْتِ، وَأَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْأُمِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا فَقَأَتْ إحْدَى عَيْنَيْهَا، وَالْعَيْنُ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُمَا جَمِيعًا فَدَى الْكُلَّ فَرِيقٌ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَتَيْنِ بِتَمَامِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْشُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ، وَسَقَطَتْ جِنَايَةُ الْبِنْتِ عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلْكُ الْمَوْلَى، وَقَدْ طَهُرَتَا عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ، وَخَلَصَ مِلْكُ الْمَوْلَى فِيهِمَا، فَبَقِيَتْ جِنَايَةُ الْبِنْتِ عَلَيْهِمَا جِنَايَةُ مِلْكِ الْمَوْلَى عَلَى مِلْكِهِ، فَتَكُونُ هَدْرًا، وَإِنْ اخْتَارَ دَفْعَ الْأُمِّ وَفِدَاءَ الْبِنْتِ دَفَعَ الْأُمَّ إلَى أَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ، ثُمَّ يَفْدِيَ الْبِنْتَ، يَفْدِي لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْبِنْتِ بِالدِّيَةِ، وَلِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ لِمَا بَيَّنَّا وَإِنْ اخْتَارَ دَفْعَ الْبِنْتِ وَفِدَاءَ الْأُمِّ يَدْفَعُ الْبِنْتَ إلَى أَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْبِنْتِ، وَيَفْدِي لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْأُمِّ بِكَمَالِ الدِّيَةِ، وَبَطَلَتْ جِنَايَةُ الْبِنْتِ عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ طَهُرَتْ بِالْفِدَاءِ، وَخَلَصَ مِلْكُ الْمَوْلَى فِيهَا فَصَارَ جِنَايَةُ الْبِنْتِ عَلَى أُمِّهَا جِنَايَةَ مِلْكِ الْمَوْلَى عَلَى مِلْكِهِ، فَتَكُونُ هَدْرًا، وَلَوْ أَنَّ الْأُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَأَتْ عَيْنَ الْبِنْتِ قَبْلَ أَنْ تُدْفَعَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يُخَيَّرُ فِيهِمَا جَمِيعًا فَيَبْدَأُ بِالْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي بَدَأَتْ بِالْجِنَايَةِ، فَيَدْفَعُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَتَيْنِ، فَيَتَضَارَبُونَ فِيهَا، فَيَضْرِبُ فِيهَا أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْبِنْتِ بِالدِّيَةِ، وَأَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْأُمِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
ثُمَّ يَدْفَعُ الْأُمَّ إلَيْهِمْ فَيَتَضَارَبُونَ فِيهَا، فَيَضْرِبُ فِيهَا أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْأُمِّ بِالدِّيَةِ إلَّا مَا وَصَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَرْشِ الْبِنْتِ، وَيَضْرِبُ فِيهَا أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْبِنْتِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَنَتْ جِنَايَتَيْنِ فَتُدْفَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِجِنَايَتِهَا طُعِنَ فِي هَذَا الْجَوَابِ، وَقِيلَ يَنْبَغِي إذَا دَفَعَ الْبِنْتَ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَضْرِبَ فِيهَا أَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْأُمِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَأَوْلِيَاءُ قَتِيلِ الْبِنْتِ بِالدِّيَةِ إلَّا مَا يَصِلُ إلَيْهِمْ فِي الْمُسْتَأْنَفِ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ بَعْضُ الْأُمِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْرِبُوا بِتَمَامِ الدِّيَةِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ حِينَ دُفِعَتْ كَانَ حَقُّ أَوْلِيَاءِ قَتِيلِ الْبِنْتِ فِي تَمَامِ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ فَوَجَبَ أَنْ يَضْرِبُوا بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَالزِّيَادَةُ الَّتِي تَظْهَرُ لَهُمْ فِي الْمُسْتَأْنَفِ لَا عِبْرَةَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ صَحَّتْ وَقْتَ الدَّفْعِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا قَالُوا فِي رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ لِرَجُلٍ أَلْفٌ وَلِآخَرَ أَلْفَانِ، وَتَرَك أَلْفًا فَاقْتَسَمَاهَا أَثْلَاثًا ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْأَلْفَيْنِ أَبْرَأَ الْمَيِّتَ عَنْ أَلْفٍ: إنَّ الْقِسْمَةَ الْأُولَى لَا تُنْتَقَضُ، كَذَا هَذَا، وَلَوْ جَنَتْ الْأَمَةُ جِنَايَةً ثُمَّ، وَلَدَتْ وَلَدًا فَقَطَعَ وَلَدُهَا يَدَهَا يَدْفَعُ الْوَلَدَ مَعَ الْأُمِّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَلَدَ فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَصَارَ كَأَنَّ عَبْدَ أَجْنَبِيٍّ قَطَعَ يَدَهَا، وَدُفِعَ بِالْجِنَايَةِ، وَهُنَاكَ يُدْفَعُ الْعَبْدُ مَعَ الْجَارِيَةِ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَام يَدِ الْجَارِيَةِ، كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَبَيَانُ صِحَّةِ الِاخْتِيَارِ، فَنَقُولُ: مَا يَصِيرُ بِهِ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ نَوْعَانِ: نَصٌّ وَدَلَالَةٌ.
(أَمَّا) النَّصُّ فَهُوَ الصَّرِيحُ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: اخْتَرْتُ الْفِدَاءَ، أَوْ آثَرْتُهُ، أَوْ رَضِيتُ بِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلَى مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَسَارُ الْمَوْلَى لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاخْتِيَارِ عِنْدَهُ، حَتَّى لَوْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَقِيرٌ مُعْسِرٌ صَحَّ اخْتِيَارُهُ، وَصَارَتْ الدِّيَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ (وَعِنْدَهُمَا) يَسَارُ الْمَوْلَى شَرْطُ صِحَّةِ اخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ، وَلَا يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا إلَّا بِرِضَا الْأَوْلِيَاءِ، وَيُقَالُ لَهُ إمَّا أَنْ تَدْفَعَ أَوْ تَفْدِيَ حَالًا، كَذَا ذُكِرَ الِاخْتِلَافُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَذَكَر الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ الِاخْتِيَارِ.
وَقَالَ: إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ الدِّيَةُ تَكُونُ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ يَبِيعُهُ فِيهَا الْمَوْلَى لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ هُوَ لُزُومُ الدَّفْعِ، وَعِنْدَ الِاخْتِيَارِ يَنْتَقِلُ إلَى الذِّمَّةِ فَيَتَقَيَّدُ الِاخْتِيَارُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَلَا سَلَامَةَ مَعَ الْإِعْسَارِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهَا فَيَبْقَى الْعَبْدُ وَاجِبُ الدَّفْعِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَا قَالَا، وَهُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ لَكِنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ لَهُ الْفِدَاءَ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، وَالْإِعْسَارُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ، وَقَدْ وُجِدَ الِاخْتِيَارُ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ السَّلَامَةِ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إلَّا بِدَلِيلٍ.
(وَأَمَّا) الدَّلَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمَوْلَى فِي الْعَبْدِ تَصَرُّفًا يُفَوِّتُ الدَّفْعَ أَوْ يَدُلُّ عَلَى إمْسَاكِ الْعَبْدِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ، فَكُلُّ تَصَرُّفٍ يُفَوِّتُ الدَّفْعَ أَوْ يَدُلُّ عَلَى إمْسَاكِ الْعَبْدِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَبْدِ، وَهُوَ حَقُّ الدَّفْعِ، وَفِي تَفْوِيتِ الدَّفْعِ تَفْوِيتُ حَقِّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَرْضَى بِتَفْوِيتِ حَقِّهِ مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ إلَّا بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهُوَ الْفِدَاءُ فَكَانَ إقْدَامُهُ عَلَيْهِ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ: إذَا بَاعَ الْعَبْدَ بَيْعًا بَاتًّا، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُزِيلٌ لِلْمِلْكِ فَيَفُوتُ الدَّفْعُ، وَكَذَا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي، أَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا فَلَا يَشْكُلُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
(وَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَمْنَعُ زَوَالَهُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَهَذَا يَكْفِي دَلَالَةَ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ الدَّفْعُ، وَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ كَانَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْبَرَمَ قَبْلَ الدَّفْعِ، وَلَوْ نَقَضَ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَزُلْ فَلَمْ يَفُتْ الدَّفْعُ، وَلَوْ عَرَضَ الْعَبْدَ عَلَى الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اخْتِيَارًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ دَلِيلُ اسْتِيفَاءِ الْمِلْكِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إذَا عَرَضَ الْمُشْتَرَى عَلَى الْبَيْعِ بَطَلَ اخْتِيَارُهُ فَكَانَ دَلِيلَ إمْسَاكِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ وَذَلِكَ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَنَا) أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ فَلَا يَفُوتُ الدَّفْعُ، وَلَيْسَ دَلِيلَ إمْسَاكِ الْعَبْدِ أَيْضًا بَلْ هُوَ دَلِيلُ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْمِلْكِ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءَ، وَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَزُولُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَفُوتُ الدَّفْعُ، وَلَوْ وَهَبَهُ مِنْ إنْسَانٍ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ صَارَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالتَّسْلِيمَ يُزِيلَانِ الْمِلْكَ فَيَفُوتُ الدَّفْعُ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَوَهَبَهُ الْمَوْلَى مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا، وَلَا شَيْء عَلَى الْمَوْلَى، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَانَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ بِالْهِبَةِ فِي مَعْنَى الدَّفْعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَوَقَعَتْ الْهِبَةُ مَوْقِعَ الدَّفْعِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ، وَالدَّفْعُ تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَكَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْهُ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ عَلَى الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ فَهُوَ وَالْهِبَةُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فَاسْتَوْلَدَهَا، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تُفَوِّتُ الدَّفْعَ إذْ الدَّفْعُ تَمْلِيكٌ، وَإِنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ التَّمْلِيكِ، فَكَانَتْ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَأَمَرَ الْمَوْلَى الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ بِإِعْتَاقِهِ وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ بِأَمْرِهِ مُضَافٌ إلَيْهِ فَكَانَ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ قَتَلْتَ فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَتَلَهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَعِنْدَ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مُعْتَقًا بِالْقَوْلِ السَّابِقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ، وَلَا جِنَايَةَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ لَا إعْتَاقَ فَكَيْفَ يَصِيرُ مُخْتَارًا.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَصِيرُ مُنَجَّزًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِتَنْجِيزٍ مُبْتَدَأٍ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ بَعْدَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَنَظِيرُهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ: إذَا مَرِضْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَمَرِضَ حَتَّى وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا يَصِيرُ فَارًّا عَنْ الْمِيرَاثِ حَتَّى تَرِثَهُ الْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ لَمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا وَلَوْ أَخْبَرَ الْمَوْلَى إنْسَانٌ أَنَّ عَبْدَهُ قَدْ جَنَى فَأَعْتَقَهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَأَعْتَقَهُ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُخْبِرَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ، وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي الْمُخْبِرِ، وَلَا عَدَالَتُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا اخْتِيَارًا عَلَى التَّوَقُّفِ لِفَوَاتِ الدَّفْعِ فِي الْحَالِ عَلَى التَّوَقُّفِ، فَإِنْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعَتَقَ تَقَرَّرَ الِاخْتِيَارُ، وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ خُوصِمَ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ فَقَضَى بِالدِّيَةِ ثُمَّ عَجَزَ لَا يَرْتَفِعُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ وَجَبَتْ بِالْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُخَاصَمْ حَتَّى عَجَزَ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَدْفَعَهُ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ كَأَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْجِزَ، فَإِنْ عَجَزَ جُعِلَ كَأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَكُنْ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ بِنَفْسِهَا لِزَوَالِ يَدِهِ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ وَهُوَ الْعَجْزُ، وَلَوْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا بِدُونِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ، وَهِيَ تَعَلُّقُ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ تَثْبُتُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ التَّسْلِيمِ.
(وَأَمَّا) الْإِجَارَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالتَّزْوِيجُ بِأَنْ زَوَّجَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ امْرَأَةً أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْجَانِيَةَ إنْسَانًا فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا؟ ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَفُتْ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فَكَانَ الدَّفْعُ مُمْكِنًا فِي الْجُمْلَةِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَالِ مُتَعَذِّرٌ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَالتَّزْوِيجُ تَعْيِيبٌ فَأَشْبَهَ التَّعْيِيبَ حَقِيقَةً.
وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا، كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ لِغَيْرِهِ لَا يُفَوِّتُ الدَّفْعَ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ مُخَاطَبٌ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ يَكُونُ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ لِغَيْرِهِ فِي مَعْنَى التَّمْلِيكِ مِنْهُ إذْ الْعَبْدُ مِلْكُهُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِوُجُودِ دَلِيلِ الْمِلِكِ وَهُوَ الْيَدُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ الْمَوْلَى صَارَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الدَّفْعَ بِالْقَتْلِ، وَلَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَقْتُلَهُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَلُّ الدَّفْعِ لَا إلَى خَلَفٍ هُوَ مَالٌ فَتَبْطُلَ الْجِنَايَةُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً يَأْخُذُ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ، وَيَدْفَعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، وَلَا يُخَيَّرُ الْمَوْلَى فِي الْقِيمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْمَوْلَى وَلَكِنْ عَيَّبَهُ بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا أَثَّرَ فِيهِ وَنَقَّصَهُ، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِالنُّقْصَانِ حَبَسَ عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنْ الْعَبْدِ، وَحَبْسُ الْكُلِّ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ إمْسَاكِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَكَذَا حَبْسُ الْجُزْءِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ ضَرَبَ الْمَوْلَى عَيْنَهُ فَابْيَضَّتْ، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ حَتَّى جُعِلَ مُخْتَارًا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ، فَإِنْ ذَهَبَ قَبْلَ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ بَطُلَ الِاخْتِيَارُ، وَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ مُخْتَارًا لِأَجْلِ النُّقْصَانِ، وَقَدْ زَالَ فَجُعِلَ كَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ خُوصِمَ فِي حَالِ الْبَيَاضِ فَضَمَّنَهُ الْقَاضِي الْقِيمَةَ ثُمَّ زَالَ الْبَيَاضُ فَقَضَاءُ الْقَاضِيَ نَافِذٌ لَا يُرَدُّ، وَلَا يَبْطُلُ اخْتِيَارُهُ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ وَقَعَ صَحِيحًا، وَوَجَبَ الدَّيْنُ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ، وَإِنْ اسْتَخْدَمَهُ، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ الدَّفْعُ بِالِاسْتِخْدَامِ؛ لِقِيَامِ الْمِلْكِ، وَكَذَا الِاسْتِخْدَامُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى إمْسَاكِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ عَطِبَ فِي الْخِدْمَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَبَطَلَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصَرُّفٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَطِبَ قَبْلَ الِاسْتِخْدَامِ.
وَلَوْ كَانَ الْجَانِي أَمَةً فَوَطِئَهَا الْمَوْلَى، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَقَدْ صَارَ مُخْتَارًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ جُزْءًا مِنْهَا حَقِيقَةً بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ، وَهِيَ إزَالَةُ الْعُذْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ صَارَ مُخْتَارًا، وَإِنْ لَمْ تَعْلَقْ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا، وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا سَوَاءٌ عَلِقَتْ مِنْهُ أَوْ لَمْ تَعْلَقْ.
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ حِلَّ الْوَطْءِ لابد لَهُ مِنْ الْمِلْكِ إمَّا مِلْكُ النِّكَاحِ أَوْ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَلَمْ يُوجَدْ هاهنا مِلْكُ النِّكَاحِ، فَتَعَيَّنَ مِلْكُ الْيَمِينِ لِثُبُوتِ الْحِلِّ، فَكَانَ إقْدَامُهُ عَلَى الْوَطْءِ دَلِيلًا عَلَى إمْسَاكِهَا لِنَفْسِهِ فَكَانَ دَلِيلَ الِاخْتِيَارِ.
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ إلَّا اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ نُقْصَانَ الْعَيْنِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَا جُزْءًا مِنْ الْعَيْنِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهَا أُلْحِقَتْ بِالْأَجْزَاءِ، وَقُدِّرَ النُّقْصَانُ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ، وَالِاسْتِيفَاءُ هاهنا حَصَلَ فِي الْمِلْكِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِلْحَاقِ، فَانْعَدَمَ النُّقْصَانُ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَرَكِبَهُ دَيْنٌ لَمْ يَصِرْ الْمَوْلَى مُخْتَارًا، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
(أَمَّا) عَدَمُ صَيْرُورَتِهِ مُخْتَارًا فَلِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُوجِبُ تَعَذُّرَ الدَّفْعِ لَا قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ، وَلَا بَعْدَهُ وَأَمَّا لُزُومُ الْقِيمَةِ فَلِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ يُوجِبُ نُقْصَانًا فِيهِ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى، وَهُوَ الْإِذْنُ بِالتِّجَارَةِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، حِينَ لَوْ رَضِيَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ بِقَبُولِهِ مَعَ النُّقْصَانِ لَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْلَى، ثُمَّ جَمِيعُ مَا يَصِيرُ بِهِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَا إذَا فَعَلَهُ وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هاهنا اخْتِيَارُ الْإِيثَارِ، وَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِمَا يَخْتَارُهُ، وَهُوَ الْفِدَاءُ عَنْ الْجِنَايَةِ، وَاخْتِيَارُ الْفِدَاءِ عَنْ الْجِنَايَةِ اخْتِيَارُ الْإِيثَارَ، وَاخْتِيَارُ الْإِيثَارِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ مُحَالٌ، ثُمَّ الْجِنَايَةُ إنْ كَانَتْ عَلَى النَّفْسِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الدَّفْعَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ فَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا بَاتًّا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ فَلَمْ يُخَاصَمْ فِيهَا حَتَّى رُدَّ الْعَبْدُ إلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ شَرْطٍ يُقَالُ لَهُ ادْفَعْ أَوْ افْدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ فَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ فَقَدْ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ فَلَا يَعُودُ بِالرَّدِّ، وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ، وَسَيَتَّضِحُ الْمَعْنَى فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
، وَلَوْ قَطَعَ الْعَبْدُ يَدَ إنْسَانٍ أَوْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً فَخُيِّرَ فِيهِ فَاخْتَارَ الدَّفْعَ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالدَّفْعُ عَلَى حَالِهِ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ ثُمَّ مَاتَ يَبْطُلُ الِاخْتِيَارُ ثُمَّ يُخَيِّرُ ثَانِيًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبْطُلَ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرُ.
وَلَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلُهُ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ كَانَ اخْتَارَ الْفِدَاءَ بِالْإِعْتَاقِ بِأَنْ عَتَقَ الْعَبْدَ لِلْحَالِ حَتَّى صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الِاخْتِيَارُ، وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدِّيَةِ قِيَاسًا، وَاسْتِحْسَانًا.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْمَوْلَى لَمَّا اخْتَارَ الْفِدَاءَ عَنْ أَصْلِ الْجِنَايَةِ فَقَدْ صَحَّ اخْتِيَارُهُ، وَلَزِمَهُ مُوجَبُهَا، وَبِالسِّرَايَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْلُ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ وَصْفُهَا، وَالْوَصْفُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فَكَانَ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ عَنْ الْمَتْبُوعِ اخْتِيَارًا عَنْ التَّابِعِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ اخْتِيَارَ الْفِدَاءَ عَنْ الْقَطْعِ لَمَا سَرَى إلَى النَّفْسِ، وَمَاتَ فَقَدْ صَارَ قَتْلًا، وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ، فَاخْتِيَارُ الْفِدَاءِ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا عَنْ الْآخَرِ فَيُخَيَّرُ اخْتِيَارًا مُسْتَقْبَلًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الِاخْتِيَارُ بِالْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ رُبَّمَا يَسْرِي إلَى النَّفْسِ فَيَلْزَمُهُ كُلُّ الدِّيَةِ، وَلَا يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ دَلَالَةُ اخْتِيَارِ الْكُلِّ وَالرِّضَا بِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا كَانَ ثَابِتًا وَقْتَ الِاخْتِيَارِ، وَالْعَبْدُ لِلْحَالِ مَحَلٌّ لِلدَّفْعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) صِفَةُ الْفِدَاءِ الْوَاجِبِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ فَهُوَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِهِ حَالًا لَا مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ هُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءُ كَالْخَلَفِ عَنْهُ فَيَكُونُ عَلَى نَعْتِ الْأَصْلِ، ثُمَّ الدَّفْعُ يَجِبُ حَالًا فِي مَالِهِ لَا مُؤَجَّلًا فَكَذَلِكَ الْفِدَاءُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ هَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ قِنًّا.
فَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا فَجِنَايَتُهُ عَلَى مَوْلَاهُ إذَا ظَهَرَتْ فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ جِنَايَتُهُ، وَفِي بَيَانِ أَصْلِ الْوَاجِبِ، وَمَنْ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، وَفِي بَيَانِ صِفَتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَجِنَايَتَهُ تَظْهَرُ بِمَا تَظْهَرُ بِهِ جِنَايَةُ الْقِنِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَلَا تَظْهَرُ بِإِقْرَارِهِ حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْمَوْلَى شَيْءٌ، وَلَا يَتْبَعُ الْمُدَبَّرَ بَعْدَ الْعَتَاقِ كَجِنَايَةِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ أَصْلِ الْوَاجِبِ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ فَأَصْلُ الْوَاجِبِ بِهَا قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ عَلَى الْمَوْلَى لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَضَيَا بِجِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِمُقَابَلَةِ الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ هُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ عَلَى الْمَوْلَى، وَبِالتَّدْبِيرِ مَنْعٌ مِنْ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ عَلَى الْمَوْلَى كَمَا لَوْ دَبَّرَ الْقِنَّ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْجِنَايَةَ.
(وَأَمَّا) مِقْدَارُ الْوَاجِبِ فَمِقْدَارُ الْوَاجِبِ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنْ كَانَتْ هِيَ الْأَقَلُّ فَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَمْ يُمْنَعْ الْمَوْلَى بِالتَّدْبِيرِ إلَّا الرَّقَبَةَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ قَدْرُ قِيمَتِهِ لِمَا كَانَ قِنًّا، وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَ قِيمَتِهِ وَبَيْنَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ، وَأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَضِيَّةِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ مِثْلَ الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ قَدْرُ الدِّيَةِ، وَيُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ فِي الْجِنَايَةِ لَا تُزَادُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ بَلْ يُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةٌ، وَسَوَاءٌ قَلَّتْ جِنَايَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ لَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى مِنْ جِنَايَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ الْمَنْعُ عِنْدَ الْجِنَايَةِ.
وَالْمَنْعُ مَنْعٌ وَاحِدٌ فَكَانَ الْوَاجِبُ قِيمَةً وَاحِدَةً، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ فِي جِنَايَةِ الْقِنِّ قَلَّتْ جِنَايَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ مَعَ الدَّفْعِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَتُقَسَّمُ قِيمَتُهُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَاتِ عَلَى قَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ، يَسْتَوِي فِيهَا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي دَفْعِ الْعَيْنِ هَكَذَا، فَكَذَلِكَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ، وَسَوَاءٌ قَبَضَ مَا عَلَى الْمَوْلَى أَوْ لَمْ يَقْبِضْ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ فَيَتَضَارَبُونَ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لَا يَوْمَ التَّدْبِيرِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ هُوَ الْمَنْعُ، وَهُوَ التَّدْبِيرُ السَّابِقُ لَكِنْ إنَّمَا يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْجِنَايَةُ فَكَأَنَّهُ أَنْشَأَ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُمَا، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا مَاتَ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْمَوْلَى الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ جِنَايَتِهِ يَلْزَمُ مَوْلَاهُ فَيَسْتَوِي فِيهِ بَقَاءُ الْمُدَبَّرِ، وَهَلَاكُهُ بِخِلَافِ الْقِنِّ إذَا جَنَى ثُمَّ هَلَكَ أَنَّهُ يَبْطُلُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ جِنَايَتِهِ وُجُوبُ الدَّفْعِ، وَبِالْمَوْتِ خَرَجَ عَنْ احْتِمَالِ الدَّفْعِ، وَلَوْ انْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ بِأَنْ جَنَى وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ عَمِيَ لَمْ يُحَطُّ عَنْ الْمَوْلَى شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَهُ هَلَاكُ جُزْءٍ مِنْهُ ثُمَّ هَلَاكُ كُلِّهِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ شَيْئًا فَكَذَا هَلَاكُ الْبَعْضِ، وَلَوْ قَتَلَ إنْسَانًا ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ لَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِمَا قُلْنَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى جِنَايَاتٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ هُوَ الْمَنْعُ، وَأَنَّهُ مُتَّحِدٌ، فَكَانَ وُجُودُ الْإِعْتَاقِ، وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَتَلَ إنْسَانًا خَطَأً ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ خَطَأً ثُمَّ دَفَعَ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ فَالدَّفْعُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَا سَبِيل لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَجْبُورًا عَلَى الدَّفْعِ، وَالْمَجْبُورُ مَعْذُورٌ، وَلَهُ أَنْ يَتْبَعَ وَلِيَّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ نِصْفَ الْقِيمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا نَفْسًا، وَالْأُخْرَى مَا دُونَ النَّفْسِ فَالثَّانِي يَتْبَعُ الْأَوَّلَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَوَلِيُّ الْقَتِيلِ الثَّانِي بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمَوْلَى نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ وَلِيَّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُتَعَدٍّ فِي دَفْعِ الْعَبْدِ، وَالْقَابِضَ مُتَعَدٍّ فِي قَبْضِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْقَابِضُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى.
وَلَوْ قَتَلَ إنْسَانًا خَطَأً فَدَفَعَ الْقِيمَةَ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ خَطَأً فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَعِنْدَهُمَا لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي أَنْ يُضَمِّنَ الْمَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ وَلِيَّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّفْعُ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
(وَجْهُ) الْفَرْقِ لَهُمَا أَنَّ الْمَوْلَى هاهنا لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي حَقِّ وَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ كَانَتْ مُنْعَدِمَةً وَقْتَ الدَّفْعِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَضْمِينِهِ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ كَانَتْ الْجِنَايَتَانِ مَوْجُودَتَيْنِ وَقْتَ الدَّفْعِ، فَكَانَ الدَّفْعُ مِنْهُ إلَى الْأَوَّلِ تَعَدِّيًا فَيُضَمَّنُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمَوْلَى هُوَ الْمَنْعُ، وَالْمَنْعُ مَنْعٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي جَمِيعًا، فَصَارَ كَأَنَّ الْجِنَايَاتِ كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ وَقْتَ الدَّفْعِ فَيَصِيرُ الْمَوْلَى مُتَعَدِّيًا فِي الدَّفْعِ فَكَانَ لَهُ تَضْمِينُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الدَّفْعُ بِقَضَاءٍ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي صَيَّرَهُ مَجْبُورًا فِي الدَّفْعِ، هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً بِأَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ فَصَارَتْ أَلْفَيْنِ ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ يَضْمَنُ الْمَوْلَى لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي أَلْفًا آخَرَ، وَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَوَّلِ فَيُسَلِّمُ الزِّيَادَةَ إلَى الثَّانِي، وَيُقَسِّمُ تِلْكَ الْقِيمَةَ وَهِيَ الْأَلْفُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي يَتَضَارَبُونَ فِيهَا فَيَضْرِبُ الْأَوَّلُ فِيهَا بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَالثَّانِيَ بِتِسْعَةِ آلَافٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ أَلْفٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ فَكَانَتْ قِسْمَةُ تِلْكَ الْأَلْفِ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا: عَشَرَةُ أَسْهُمٍ لِلْأَوَّلِ، وَتِسْعَةُ أَسْهُمٍ لِلثَّانِي، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ وَقْتَ قَتْلِ الْأَوَّلِ أَلْفَيْنِ، وَوَقْتَ قَتْلِ الثَّانِي أَلْفًا لَا يَضْمَنُ الْمَوْلَى شَيْئًا، وَالْأَلْفُ تَكُونُ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ سَالِمًا، وَالْأَلْفُ لِلْآخَرِ تُقَسَّمُ بَيْنهمَا عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا: عَشَرَةُ أَسْهُمٍ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي، وَتِسْعَةُ أَسْهُمٍ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ قَتَلَ إنْسَانًا وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ثُمَّ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ، وَصَارَتْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ فَزِيَادَةُ الْخَمْسمِائَةِ سَالِمَةٌ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي لَا حَقَّ فِيهَا لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، وَالْأَلْفُ تَكُونُ بَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلَيْنِ يَتَضَارَبُونَ فِيهَا، فَيَضْرِبُ وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ بِتَمَامِ الدِّيَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَالثَّانِي بِتِسْعَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ فَكَانَتْ قِسْمَةُ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ خَمْسِمِائَةٍ سَهْمًا، تِسْعَةُ عَشَرَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي، وَعِشْرُونَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) صِفَةُ الْوَاجِبِ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ فَهِيَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِ الْمَوْلَى حَالًا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْمَنْعِ مِنْ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْقِيمَةَ فِي مَالِ الْمَوْلَى حَالًا كَمَا لَوْ دَبَّرَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَنْعِ كَالْخَلَفِ عَنْ ضَمَانِ الدَّفْعِ، وَالدَّفْعُ يَجِبُ مِنْ مَالِهِ حَالًا، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أُمَّ وَلَدٍ فَأُمُّ الْوَلَدِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا وَالْمُدَبَّرُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي جِنَايَتِهِمَا ضَمَانُ الْمَنْعِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ جِهَةَ الْمَنْعِ تَخْتَلِفُ، فَالْمَنْعُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ بِالِاسْتِيلَادِ، وَفِي الْمُدَبَّرِ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِذَلِكَ اسْتَوَيَا فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُكَاتَبًا فَقَتَلَ أَجْنَبِيًّا خَطَأً فَجِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ إذَا ظَهَرَتْ لَا عَلَى مَوْلَاهُ، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِيمَا تَظْهَرُ بِهِ جِنَايَتُهُ، وَفِي بَيَانِ أَصْلِ الْوَاجِبِ، وَمَنْ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، وَفِي بَيَانِ صِفَتِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَجِنَايَتُهُ تَظْهَرُ بِمَا تَظْهَرُ بِهِ جِنَايَةُ الْقِنِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَتَظْهَرُ أَيْضًا بِإِقْرَارِهِ بِالْجِنَايَةِ بِخِلَافِ جِنَايَتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ عَلَى الْمَوْلَى فَلَمْ يَصِحَّ أَصْلًا، وَإِقْرَارُ الْمُكَاتَبِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ الْمَوْلَى فَيَجُوزُ إقْرَارُهُ.
وَكَذَا يَجُوزُ صُلْحُهُ مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ لَهُ ظَاهِرًا، وَلَوْ أَقَرَّ وَصَالَحَ ثُمَّ عَجَزَ فَحُكْمُهُ نَذْكُرهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا أَصْلُ الْوَاجِبِ بِجِنَايَتِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ فَالْوَاجِبُ هُوَ قِيمَةُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ لِنَفْسِهِ لَا لِمَوْلَاهُ، فَكَانَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَوْلَاهُ لِيَكُونَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، بِخِلَافِ الْقِنِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الدَّفْعِ حَصَلَ بِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ قَبُولُ الْكِتَابَةِ، فَكَانَتْ قِيمَتُهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِنِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ.
(وَأَمَّا) كَيْفِيَّةُ الْوُجُوبِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ: إنَّ قِيمَتَهُ تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْقَطْعِ، وَالْبَتَاتِ، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جَنَى ثُمَّ عَجَزَ عَقِيبَ الْجِنَايَةِ بِلَا فَصْلٍ أَنَّهُ يُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يُبَاعُ وَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ.
وَكَذَلِكَ إذَا جَنَى ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى عَقِيبَ الْأُولَى بِلَا فَصْلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةٌ أُخْرَى عَقِيبَ الْأُولَى، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا جَنَى جِنَايَةً، وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةٌ أُخْرَى، وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِأَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَضَى بِالْقِيمَةِ فِي الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَقَدْ صَارَتْ الْقِيمَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ حَتْمًا مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَالْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ صَادَفَتْ رَقَبَةً فَارِغَةً فَتُقْضَى بِقِيمَةٍ أُخْرَى.
وَأَمَّا قَبْلَ الْقَضَاءِ فَالرَّقَبَةُ مَشْغُولَةٌ بِالْأُولَى، وَالْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقِيمَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ هُوَ امْتِنَاعُ الدَّفْعِ لِحَقٍّ ثَبَتَ لِلْمُكَاتَبِ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الدَّفْعِ إذَا كَانَ لِحَقِّهِ كَانَتْ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ، إذْ لَا خَرَاجَ مَعَ الضَّمَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي.
(وَلَنَا) أَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ هُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ، وَامْتِنَاعُهُ هاهنا لِعَارِضٍ لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ زَوَالِهِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ، لِاحْتِمَالِ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجِزُ فَيُرَدُّ فِي الرِّقِّ، فَيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ صَدَرَتْ مِنْ الْقِنِّ فَلَا يُمْكِنُ قَطْعُ الْقَوْلِ بِصَيْرُورَةِ قِيمَتِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى التَّوَقُّفِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ التَّوَقُّفُ بِإِحْدَى مَعَانٍ: إمَّا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَإِذَا أَدَّى فَقَدْ وَصَلَ الْحَقُّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَلَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ أَوْ بِالْعِتْقِ (إمَّا) بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ (وَإِمَّا) بِالْإِعْتَاقِ الْمُبْتَدَأِ وَبِالْمَوْتِ عَنْ وَفَاءٍ أَوْ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، وَإِذَا عَتَقَ يَتَقَرَّرُ حَقُّهُ فِي كَسْبِهِ، وَيَقَعُ الْيَأْسُ عَنْ الدَّفْعِ فَتَتَقَرَّرُ الْقِيمَةُ، وَإِذَا تَرَكَ وَلَدًا وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَقْدُ الْكِتَابَةِ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْوَلَدِ، فَيَسْعَى عَلَى نُجُومِ أَبِيهِ، فَيُؤَدِّي فَيَعْتِقُ وَيَعْتِقُ أَبُوهُ، وَيَسْتَنِدُ عِتْقُهُ إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً، وَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ أَوْ بِالصُّلْحِ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ، هَذَا إذَا ظَهَرَتْ جِنَايَةٌ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ.
(فَأَمَّا) إذَا ظَهَرَتْ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى الْقِيمَةَ ثُمَّ عَجَزَ لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ وَلَا يَسْتَرِدُّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ وَصَّلَ الْحَقَّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَلَا يُسْتَرَدُّ.
وَكَذَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ، وَلَكِنَّهُ عَتَقَ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ أَوْ بِإِعْتَاقِ مُبْتَدَأٍ أَوْ بِمَوْتِ الْمُكَاتِبِ عَنْ وَفَاءٍ أَوْ، وَلَدٍ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ، فَإِنْ كَانَ عَجْزُهُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ- فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى بِلَا خِلَافٍ حَتَّى لَا يُؤْخَذَ بِهِ لِلْحَالِ، وَلَكِنْ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ، لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَقَدْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ، وَعَادَ قِنًّا كَمَا كَانَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى مَوْلَاهُ، وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى بَاطِلٌ إلَّا أَنَّهُ يُتْبَعُ بَعْدَ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَحِيحُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ- بَطَلَ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ لِلْحَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة- عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ- وَيُتْبَعُ بَعْدَ الْعَتَاقِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْطُلُ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلْحَالِ، وَيُبَاعُ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا: إنَّ الْقِيمَةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ ظَاهِرًا أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي تَقَرَّرَ الْوُجُوبُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ بِالْعَجْزِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ عَجَزَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ صِحَّةَ إقْرَارِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لَمْ تَكُنْ لِمَكَانِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ الْكِتَابَةِ مَا كَانَ مِنْ التِّجَارَةِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْجِنَايَةِ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ مِنْ الْمَوْلَى، فَإِذَا عَجَزَ فَقَدْ صَارَ الْمَوْلَى أَحَقَّ بِإِكْسَابِهِ فَبَطَلَ إقْرَارُهُ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ صُلْحٌ بِأَنْ جَنَى الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً خَطَأً فَصَالَحَ مِنْهَا عَلَى مَالٍ جَازَ صُلْحَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ إنْ كَانَ قَدْ أَدَّى بَدَلَ الصُّلْحِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَوْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ لَكِنَّهُ عَتَقَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ فَقَدْ تَقَرَّرَ الصُّلْحُ، وَلَا يَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدَّ بَدَلَ الصُّلْحِ، وَلَا عَتَقَ حَتَّى عَجَزَ بَطَلَ الْمَالُ عَنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْطُلُ، وَيَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَتَلَ الْمُكَاتَبُ إنْسَانًا عَمْدًا ثُمَّ صَالَحَ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ ثُمَّ عَجَزَ قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِ الصُّلْحِ إنَّهُ يَبْطُلُ الصُّلْحُ، وَلَا يُؤْخَذُ لِلْحَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْطُلُ، وَيُؤْخَذُ لِلْحَالِ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ اثْنَيْنِ فَصَالَحَ الْمُكَاتَبُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مَنْ صَالَحَهُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا فَيَغْرَمُ الْمُكَاتَبُ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَمِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْجِنَايَةِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدِّيَةِ، فَالْوَاجِبُ فِي نِصْفِهَا الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَمِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا لِلنِّصْفِ بِالْكُلِّ فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَنَصِيبُ الْمُصَالِحِ لَا يُؤْخَذُ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ الْعَتَاقِ.
وَأَمَّا نَصِيبُ الْآخَرِ فَيُقَالُ لِلْمَوْلَى: ادْفَعْ نِصْفَ الْعَبْدِ أَوْ افْدِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ قَدْ بَطَلَ عِنْدَهُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَدْفَعُ نِصْفَ الْعَبْدِ أَوْ يَفْدِيَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يُبَاعُ فِي حِصَّةِ الْمَصَالِحِ أَوْ يَقْضِيَ عَنْهُ الْمَوْلَى.
(وَأَمَّا) الْقِنُّ إذَا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا، وَلَهُ وَلِيَّانِ فَصَالَحَ الْعَبْدُ أَحَدَهُمَا يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا، وَنَصِيبُ الْمُصَالِحِ يُؤْخَذُ بَعْدَ الْعَتَاقِ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَصَالِحِ فَيُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِدَفْعِ نِصْفِ الْعَبْدِ إلَيْهِ، أَوْ الْفِدَاءِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، وَفَاءً بِالْكِتَابَةِ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ عَاجِزًا فَقَدْ مَاتَ قِنًّا، وَالْقِنُّ إذَا جَنَى جِنَايَةً ثُمَّ مَاتَ تَبْطُلُ الْجِنَايَةُ أَصْلًا وَرَأْسَا، وَمَا تَرَكَهُ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ، إذَا مَاتَ عَبْدًا كَانَ الْمَتْرُوكُ مَالَ الْمَوْلَى فَيَكُونَ لَهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ، وَتَرَكَ مَالًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكِتَابَةٌ يُبْدَأُ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْمَوْلَى دَيْنٌ ضَعِيفٌ؛ إذْ لَا يَجِبْ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِالْأَقْوَى أَوْلَى.
وَحُكِيَ عَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ: إنَّ شُرَيْحًا يَقُولُ: الْأَجْنَبِيُّ، وَالْمَوْلَى يَتَحَاصَّانِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَخْطَأَ شُرَيْحٌ، وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا قَضَاءَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْلَى، وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ يُبْدَأُ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْفَى قَضَاؤُهُ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ، وَتَرَكَ وَفَاءً بِالْكِتَابَةِ، وَجِنَايَةً فَالْجِنَايَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى، وَلَوْ مَاتَ، وَتَرَكَ مَالًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكِتَابَةٌ، وَجِنَايَةٌ، فَإِنْ كَانَ قَضَى عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ فَصَاحِبُ الْجِنَايَةِ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا قُضِيَ بِهَا صَارَتْ دَيْنًا فَهُمَا دَيْنَانِ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِالْبِدَايَةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ، وَدَيْنُ الْجِنَايَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ بَعْدُ، فَكَانَ الْأَوَّلُ آكَدَ وَأَقْوَى، فَيُبْدَأُ بِهِ، وَيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهُ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ بِهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ فَصَاحِبُ الْجِنَايَةِ أَوْلَى فَيُبْدَأُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ فَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ قِنًّا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْمَوْتِ إنَّ الْمُكَاتَبَ يَبْدَأُ بِأَيِّ الدُّيُونِ شَاءَ، إنْ شَاءَ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيّ، وَإِنْ شَاءَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ شَاءَ بِمَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ، وَالتَّدْبِيرُ فِي إكْسَابِهِ إلَيْهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّ دُيُونِهِ شَاءَ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ فَتَرَكَ وَلَدًا: إنَّ وَلَدَهُ يَبْدَأُ مِنْ كَسْبِهِ بِأَيِّ الدُّيُونِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْمُكَاتَبِ، فَتَدْبِيرُ كَسْبِهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مَوْتِهِ إلَى الْقَاضِي فَيُبْدَأُ بِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ فِي قِيمَتِهِ وَقْتَ الْجِنَايَةِ- فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ يَصْلُحُ حُكْمًا فِي الْمَاضِي فَيَحْكُمُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الْأَخِيرِ: أَنَّ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ يَدَّعِي زِيَادَةَ الضَّمَانِ، وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(وَأَمَّا) قَدْرُ الْوَاجِبِ بِجِنَايَتِهِ فَهُوَ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ إنْ كَانَ أَقَلَّ فَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْكَاتِبِ مَنْعُ الزِّيَادَةِ فَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ وَلَا يُخَيَّرُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ قَدْرَ الدِّيَةِ يَنْقُصُ مِنْ الدِّيَةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَقَوَّمُ فِي الْجِنَايَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ كَالْبَدَلِ عَنْ الدَّفْعِ، وَالدَّفْعُ يَجِبُ عِنْدَ الْجِنَايَةِ.
وَكَذَا الْمَنْعُ بِالْكِتَابَةِ السَّابِقَةِ لِحَقِّ الْمُكَاتَبِ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ فَيُعْتَبَرُ الْحُكْمُ، وَهُوَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) صِفَةُ الْوَاجِبِ فَهِيَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ حَالًّا لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ هُوَ الدَّفْعُ، وَهَذَا كَالْخَلْفِ عَنْهُ، وَالدَّفْعُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَالًّا لَا مُؤَجَّلًا فَكَذَا الْخُلْفُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ أَجْنَبِيًّا (فَأَمَّا) إذَا كَانَ مَوْلَى الْقَاتِلِ فَالْقَاتِلُ لَا يَخْلُو: (إمَّا) إنْ كَانَ قِنًّا (وَإِمَّا) إنْ كَانَ مُدَبَّرًا (وَإِمَّا) إنْ كَانَ أُمَّ وَلَدٍ (وَإِمَّا) إنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَإِنْ كَانَ قِنًّا فَقَتَلَ مَوْلَاهُ خَطَأً- فَجِنَايَتُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ، وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِمَا مَرَّ، وَلَوْ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا حَتَّى سَقَطَ الْقِصَاصُ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ، وَلَا يَجِبُ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: يُقَالُ لِلَّذِي عَفَا: إمَّا أَنْ تَدْفَعَ نِصْفَ نُصِيبُكَ، وَهُوَ رُبْعُ الْعَبْدِ إلَى الَّذِي لَمْ يَعْفُ أَوْ تَفْدِيَهُ بِرُبْعِ الدِّيَةِ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْقِصَاصَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا فَقَدْ سَقَطَ نِصْفُ الْقِصَاصَ، وَانْقَلَبَ نَصِيبُ صَاحِبِهِ، وَهُوَ النِّصْفِ مَالًا شَائِعًا فِي النِّصْفَيْنِ نِصْفُهُ، وَهُوَ الرُّبْعُ فِي نَصِيبِهِ وَنِصْفُهُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ فَمَا كَانَ فِي نَصِيبِهِ يَسْقُطُ، وَمَا كَانَ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ يَثْبُتُ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الدِّيَةَ إمَّا أَنْ تَجِبُ حَقًّا لِلْمَوْلَى، وَالْوَارِثُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَجَبَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِبَ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ.
وَكَيْفَ مَا كَانَ فَالْمَوْلَى لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا فَقَتَلَ مَوْلَاهُ خَطَأً فَجِنَايَتُهُ هَدَرٌ، وَعَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فَهاَهُنَا أَوْلَى، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْإِيجَابِ لَهُ، وَعَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَسْعَى فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ؟، وَالْوَصِيَّةُ لَا تُسَلَّمُ لِلْقَاتِلِ إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِمَا قُلْنَا، وَوَرَثَتُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا عَجَّلُوا اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَبَطَلَتْ السِّعَايَةُ، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَوْفَوْا السِّعَايَةَ ثُمَّ قَتَلُوهُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ ثَبَتَا لَهُمْ، وَاخْتِيَارُ السِّعَايَةِ لَا يَكُونُ مُسْقِطًا لِلْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ لَيْسَتْ بِعِوَضٍ عَنْ الْمَقْتُولِ بَلْ هِيَ بَدَلٌ عَنْ الرِّقِّ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَوْلَى وَلِيَّانِ عَفَا أَحَدُهُمَا- يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا بِخِلَافِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، وَلَيْسَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ، وَهَاهُنَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فَيَسْعَى، وَهُوَ حُرُّ فَلَمْ يَكُنْ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ إيجَابُ الدَّيْنِ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ فَهُوَ الْفَرْقُ وَإِنْ كَانَ أُمَّ وَلَدٍ فَقَتَلَتْ مَوْلَاهَا خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي السِّعَايَةِ فَأُمُّ الْوَلَدِ لَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا، وَالْمُدَبَّرُ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ هُنَاكَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَعِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَوْ قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مَوْلَاهَا عَمْدًا، وَلَهُ ابْنَانِ مِنْ غَيْرِهَا فَعَفَا أَحَدُهُمَا سَعَتْ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا، وَانْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لَا فِي نِصْفِ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ حُرَّةً وَقْتَ وُجُوبِ السِّعَايَةِ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا وَتَسْعَى، وَهِيَ حُرَّةٌ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً وَقْتَ الْجِنَايَةِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْحَالَيْنِ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ، وَحَالَ وُجُوبِ السِّعَايَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً فِي الْحَالَيْنِ بِأَنْ قَتَلَتْ أَجْنَبِيًّا خَطَأً لَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ.
وَكَانَتْ عَلَى الْمَوْلَى لَا عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً حَالَ الْجِنَايَةِ حُرَّةً حَالِ السِّعَايَةِ اعْتَبَرْنَا بِالْحَالَيْنِ فَأَوْجَبْنَا نِصْفَ الْقِيمَةِ اعْتِبَارًا إلَى وُجُودِ الْجِنَايَةِ.
وَأَوْجَدْنَا ذَلِكَ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْمَوْلَى اعْتِبَارًا بِحَالِ وُجُوبِ السِّعَايَةِ اعْتِبَارًا لِلْحَالَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ مِنْهَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهَا، وَسَعَتْ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهَا أَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ- فَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ الْإِيجَابُ فِي نَصِيبِ وَلَدِهَا؛ إذْ لَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى أُمِّهِ قِصَاصُ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ احْتِرَامًا لِلْأُمِّ.
(وَأَمَّا) لُزُومُ السِّعَايَةِ فَلِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ لِلتَّعَذُّرِ، وَلَا تَعَذُّرَ فِي الْقِيمَةِ فَتَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهَا، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَقَتَلَ مَوْلَاهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَوْلَاهُ لَازِمَةٌ كَجِنَايَةِ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إكْسَابِهِ، وَأَرْشُ جِنَايَاتِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِإِكْسَابِهِ مِنْ الْمَوْلَى، وَتَجِبُ الْقِيمَةَ حَالَّةً؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمَنْعِ مِنْ الدَّفْعِ فَتَكُونُ حَالَّةً كَمَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى بِجِنَايَةِ مُدَبَّرِهِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(هَذَا) إذَا كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ حُرَّيْنِ أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا وَالْمَقْتُولُ حُرًّا.
فَأَمَّا إذَا كَانَا عَبْدَيْنِ بِأَنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا خَطَأً فَالْمَقْتُولُ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ كَانَ عَبْدًا لِأَجْنَبِيٍّ، وَإِمَّا إنْ كَانَ عَبْدًا لِمَوْلَى الْقَاتِلِ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا لِأَجْنَبِيِّ بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ قِنًّا يُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا، وَهَذَا وَمَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا أَجْنَبِيًّا سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يُخَاطِبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ بِالْفِدَاءِ بِالدِّيَةِ، وَهَاهُنَا يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَةُ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا كَمَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا أَجْنَبِيًّا وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُكَاتَبًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا كَمَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا أَجْنَبِيًّا، هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَ عَبْدًا لِوَلِيِّ الْقَاتِلِ فَجِنَايَةُ الْقَاتِلِ عَلَيْهِ هَدَرٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُكَاتَبًا فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ لَازِمَةٌ كَائِنًا مَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ هَذَا إذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا خَطَأً فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَائِنًا مَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ، وَاَللَّهُ- جَلَّ شَأْنُهُ- الْمُوفِقُ.
(وَأَمَّا) الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ الْخَطَأِ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ، وَنَوْعٌ هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ التَّسْبِيبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إنْسَانٍ فَيَقْتُلَهُ فَهَذَا الْقَتْلُ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ الْخَطَأِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِوُجُودِهِ لَا عَنْ قَصْدٍ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِثِقَلِهِ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ هُنَاكَ وُرُودًا هاهنا دَلَالَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَقَطَ إنْسَانٌ مِنْ سَطْحٍ عَلَى قَاعِدٍ فَقَتَلَهُ.
(أَمَّا) وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلِوُجُودِ مَعْنَى الْخَطَأِ، وَهُوَ عَدَمُ الْقَصْدِ.
(وَأَمَّا) وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ فَلِوُجُودِ الْقَتْلِ مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِثِقَلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاعِدُ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ أَوْ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَلَوْ مَاتَ السَّاقِطُ دُونَ الْقَاعِدِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ قُعُودَهُ فِيهِ جِنَايَةً لَا شَيْءَ عَلَى الْقَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي الْقُعُودِ فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَيُهْدَرُ دَمُ السَّاقِطِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ قُعُودُهُ فِيهِ جِنَايَةً فَدِيَةُ السَّاقِطِ عَلَى الْقَاعِدِ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْقُعُودِ فَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْقَتْلِ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ كَمَا فِي الْبِئْرِ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ حَامِلًا سَيْفًا أَوْ حَجَرًا أَوْ لَبِنَةً أَوْ خَشَبَةً فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فَقَتَلَهُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْخَطَأِ فِيهِ وَحُصُولِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَاشَرَةِ لِوُصُولِ الْآلَةِ لِبَشَرَةِ الْمَقْتُولِ (وَلَوْ) كَانَ لَابِسًا سَيْفًا فَسَقَطَ عَلَى غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ ثَوْبُهُ أَوْ رِدَاؤُهُ أَوْ طَيْلَسَانُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ، وَهُوَ لَابِسُهُ عَلَى إنْسَانٍ فَتَعَقَّلَ بِهِ فَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِي اللَّبْسِ ضَرُورَةً؛ إذْ النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَى لُبْسِ هَذِهِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ السُّقُوطِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، فَكَانَتْ الْبَلِيَّةُ فِيهِ عَامَّةً فَتَعَذَّرَ التَّضْمِينُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْحَمْلِ، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ سُقُوطِ الْمَحْمُولِ مُمْكِنٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَبِسَهُ مِمَّا لَا يُلْبَسُ عَادَةً فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَكَذَلِكَ الرَّاكِبُ إذَا كَانَ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ فَوَطِئَتْ دَابَّتُهُ رَجُلًا بِيَدَيْهَا أَوْ بِرِجْلِهَا لِوُجُودِ مَعْنَى الْخَطَأِ فِي هَذَا الْقَتْلِ وَحُصُولِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّ ثِقَلَ الرَّاكِبِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَالدَّابَّةُ آلَةٌ لَهُ فَكَانَ الْقَتْلُ الْحَاصِلِ بِثِقَلِهَا مُضَافًا إلَى الرَّاكِبِ فَكَانَ قَتْلًا مُبَاشَرَةً، وَلَوْ كُدِمَتْ أَوْ صُدِمَتْ أَوْ خُبِطَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، وَالْوَصِيَّةَ لِحُصُولِ الْقَتْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّسَبُّبِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى السَّائِقِ، وَالْقَائِدِ، وَلَا يُحْرَمَانِ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ السَّوْقِ وَالْقَوَدِ يُقَرِّبُ الدَّابَّةَ مِنْ الْقَتْلِ فَكَانَ قَتْلًا تَسْبِيبًا لَا مُبَاشَرَةَ، وَالْقَتْلُ تَسَبُّبًا لَا مُبَاشَرَةً لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ مُبَاشَرَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالرَّدِيفُ وَالرَّاكِبُ سَوَاءٌ، وَعَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ، وَيُحْرَمَانِ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ ثِقَلَهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَالدَّابَّةُ آلَةٌ لَهُمَا فَكَانَا قَاتِلَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ نَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا أَوْ بِذَنَبِهَا، وَهُوَ يَسِيرُ فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ عَلَى رَاكِبٍ وَلَا سَائِقٍ وَلَا قَائِدٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّيْرَ وَالسَّوْقَ وَالْقَوْدَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ مَأْذُونٌ فِيهِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فَمَا لَمْ تَسْلَمْ عَاقِبَتُهُ- لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ فَالْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا إلَّا إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِسَدِّ بَابِ الِاسْتِطْرَاقِ عَلَى الْعَامَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَالْوَطْءُ وَالْكَدْمُ وَالصَّدْمُ وَالْخَبْطُ فِي السَّيْرِ وَالسَّوْقِ وَالْقَوْدِ مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِحِفْظِ الدَّابَّةِ وَذَوْدِ النَّاسِ، وَالنَّفْحُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ عَنْهُ وَكَذَا الْبَوْلُ وَالرَّوْثُ وَاللُّعَابِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارَهُ وَالْتُحِقَ بِالْعَدَمِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «قَالَ: الرِّجْلُ جُبَارٌ أَيْ نَفْحُهَا» وَلِهَذَا أُسْقِطَ اعْتِبَارُ مَا ثَارَ مِنْ الْغُبَارِ مِنْ مَشْي الْمَاشِي حَتَّى لَوْ أَفْسَدَ مَتَاعًا لَمْ يَضْمَنْ.
وَكَذَا مَا أَثَارَتْ الدَّابَّةُ بِسَنَابِكِهَا مِنْ الْغُبَارِ أَوْ الْحَصَى الصِّغَارِ، وَلَا ضَمَانَ فِيهِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا.
وَأَمَّا الْحَصَى الْكِبَارُ فَيَجِبُ الضَّمَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ عَنْ إثَارَتِهَا؛ إذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْنِيفٍ فِي السَّوْقِ، وَلَوْ كَبَحَ الدَّابَّةَ بِاللِّجَامِ فَنَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِذَنَبِهَا فَهُوَ هَدَرٌ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ، وَلَوْ أَوْقَفَ الدَّابَّةَ فِي الطَّرِيقِ فَقَتَلَتْ إنْسَانًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَطَرِيقِ الْعَامَّةِ- فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ وَطِئَتْ بِيَدَيْهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ كَدَمَتْ أَوْ صَدَمَتْ أَوْ خَبَطَتْ بِيَدَيْهَا أَوْ نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِذَنَبِهَا أَوْ عَطِبَ شَيْءٌ بِرَوْثِهَا أَوْ بَوْلِهَا أَوْ لُعَابِهَا، كُلُّ ذَلِكَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ رَوْثَ الدَّابَّةِ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ لَيْسَ بِمَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا إنَّمَا الْمَأْذُونُ فِيهِ هُوَ الْمُرُورُ لَا غَيْرُ؛ إذْ النَّاسُ يَتَضَرَّرُونَ بِالْوُقُوفِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ فَكَانَ الْوُقُوفُ فِيهِ تَعَدِّيًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ رَاكِبًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْوَطْءِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ؛ لِكَوْنِهِ قَاتِلًا مِنْ طَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاكِبًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْقَتْلِ مِنْهُ تَسْبِيبًا لَا مُبَاشَرَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْقَفَ دَابَّةً عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَهُوَ مِثْلُ وَقْفِهِ فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ جَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مَوْقِفًا يَقِفُونَ فِيهِ دَوَابَّهُمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَتْ فِي وُقُوفِهَا؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ النَّاسُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي الْوُقُوفِ فَأَشْبَهَ الْوُقُوفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ إلَّا إذَا كَانَ رَاكِبًا فَوَطِئَتْ دَابَّتُهُ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَتْلٌ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ فَيَسْتَوِي فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ يَضْمَنُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ الْإِمَامُ بِالْوُقُوفِ فِيهِ كَمَا فِي سُوقِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْقَفَ دَابَّتَهُ فِي الْفَلَاةِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ فِي الْفَلَاةِ مُبَاحٌ لِعَدَمِ الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِيهِ.
وَكَذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ إنْ كَانَ وَقَفَ فِي الْمُحَجَّةِ فَالْوُقُوفُ فِيهَا كَالْوُقُوفِ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ الْعَامَّةِ، وَلَوْ كَانَ سَائِرًا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَذِنَ الْإِمَامُ فِيهَا بِالْوُقُوفِ لِلنَّاسِ أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الْإِذْنِ فِي سُقُوطِ ضَمَانِ الْوَقْفِ لَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْوَقْفِ فِيهَا اُسْتُفِيدَ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَهُ، فَأَمَّا إبَاحَةُ السَّيْرِ وَالسَّوَقِ وَالْقَوْدِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِالْإِذْنِ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ فَبَقِيَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ أَوْ السَّيْرُ أَوْ السَّوْقُ أَوْ الْقَوْدُ فِي مِلْكِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إلَّا فِيمَا وَطِئَتْ دَابَّتُهُ بِيَدَيْهَا أَوْ بِرِجْلِهَا، وَهُوَ رَاكِبٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَقَعُ تَعَدِّيًا فِي الْمِلْكِ، وَالتَّسْبِيبُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ.
فَأَمَّا الْوَطْءُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي حَالِ السَّيْرِ أَوْ الْوُقُوفِ فَهُوَ قَتْلٌ مُبَاشَرَةً لَا تَسْبِيبًا حَتَّى تَجِبَ الْكَفَّارَةُ لِوُجُودِ الضَّمَانِ عَلَى كُلٍّ سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي لَحِقَتْهُ الْجِنَايَةُ مَأْذُونًا فِي الدُّخُولِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ مُبَاشَرَةً، وَمَنْ دَخَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يُبَاحُ إتْلَافُهُ، وَلَوْ رَبَطَ الدَّابَّةَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَمَا دَامَتْ تَجُولُ فِي رِبَاطِهَا إذَا أَصَابَتْ شَيْئًا بِيَدَيْهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فَعَطِبَ بِهِ شَيْءٌ- فَذَلِكَ كُلُّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْوُقُوفِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَلَوْ انْفَتَحَ الرِّبَاطُ وَذَهَبَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَمَا عَطِبَ بِهِ شَيْءٌ فَهُوَ هَدْرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّعَدِّي قَدْ زَالَ بِزَوَالِهَا مِنْ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ فَزَالَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا بَعْدَ مَا أَوْقَفَهَا ثُمَّ جَنَتْ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ عَطِبَ بِهَا شَيْءٌ فَهُوَ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا زَالَتْ عَنْ مَوْضِعِ الْوَقْفِ فَقَدْ زَالَ التَّعَدِّي فَكَأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِنَفْسِهَا وَجَنَتْ، وَلَوْ نَفَرَتْ الدَّابَّةُ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ انْفَلَتَتْ مِنْهُ فَمَا أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا ذَلِكَ- فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» أَيْ الْبَهِيمَةُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَلِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي نِفَارِهَا وَانْفِلَاتِهَا، وَلَا يُمْكِنْهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ فِعْلِهَا، فَالْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا، وَلَوْ أَرْسَلَ دَابَّتَهُ فَمَا أَصَابَتْ مِنْ فَوَرِهَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّ سَيْرهَا فِي فَوْرِهَا مُضَافٌ إلَى إرْسَالِهَا، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا فِي الْإِرْسَالِ، فَصَارَ كَالدَّافِعِ لَهَا أَوْ كَالسَّائِقِ، فَإِنْ عَطَفَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا ثُمَّ أَصَابَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَرِيقٌ إلَّا ذَلِكَ- فَذَلِكَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ الْإِرْسَالِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا طَرِيقٌ آخَرُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهَا عَطَفَتْ بِاخْتِيَارِهَا فَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِرْسَالِ، وَصَارَتْ كَالْمُنْفَلِتَةِ، وَلَوْ أَرْسَلَ طَيْرًا فَأَصَابَ شَيْئًا فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ فِيمَنْ أَرْسَلَ بَازِيًا فِي الْحَرَمِ فَأَتْلَفَ طِيبَةَ الْحَرَمِ إنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ وَفِعْلُهُ جُبَارٌ، وَلَوْ أَغْرَى بِهِ كَلْبًا حَتَّى عَقَرَ رَجُلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ طَيْرًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ الْبَهِيمَةَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: إنْ كَانَ سَائِقًا لَهُ أَوْ قَائِدًا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ وَلَا قَائِدًا لَا يَضْمَنُ، وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعَقْرَ فِعْلُ الْكَلْبِ بِاخْتِيَارِهِ فَالْأَصْلُ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، وَفِعْلُهُ جُبَارٌ إلَّا أَنَّهُ بِالسَّوْقِ أَوْ الْقَوْدِ يَصِيرُ مُغْرِيًا إيَّاهُ إلَى الْإِتْلَافِ فَيَصِيرُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ فَأَشْبَهَ سَوْقِ الدَّابَّةِ وَقَوْدِهَا.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ إغْرَاءَ الْكَلْبِ بِمَنْزِلَةِ إرْسَالِ الْبَهِيمَةِ، فَالْمُصَابُ عَلَى فَوْرِ الْإِرْسَالِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْسِلِ، فَكَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ الْكَلْبَ يَعْقِرُ بِاخْتِيَارِهِ، وَالْإِغْرَاءُ لِلتَّحْرِيضِ، وَفِعْلُهُ جُبَارٌ، وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ دَارَ غَيْرِهِ فَعَقَرَهُ كَلْبَهُ لَا يَضْمَنُ، سَوَاءٌ دَخَلَ دَارِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ جُبَارٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِهِ التَّسْبِيبُ إلَى الْعَقْرِ؛ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إلَّا الْإِمْسَاكُ فِي الْبَيْتِ وَأَنَّهُ مُبَاحٌ قَالَ اللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، وَلَوْ أَلْقَى حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا فِي الطَّرِيقِ فَلَدَغَتْ إنْسَانًا- فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُلْقِي؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْإِلْقَاءِ إلَّا إذَا عَدَلَتْ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا يَضْمَنُ لِارْتِفَاعِ التَّعَدِّي بِالْعُدُولِ إذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ فَمَاتَا فَدِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ- وَعِنْدَ زُفَرَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِفِعْلَيْنِ: فِعْلِ نَفْسِهِ، وَفِعْلِ صَاحِبِهِ، وَهُوَ صَدْمَةُ صَاحِبِهِ، وَصَدْمَةُ نَفْسِهِ فَيُهْدَرَ مَا حَصَلَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَيُعْتَبَرُ مَا حَصَلَ بِفِعْلِ صَاحِبِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ دِيَةِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، وَجَرَحَهُ أَجْنَبِيُّ فَمَاتَ أَنَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ مَذْهَبِنَا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ فَيَضْمَنُ صَاحِبَهُ كَمَنْ بَنَى حَائِطًا فِي الطَّرِيقِ، فَصَدَمَ رَجُلًا فَمَاتَ إنَّ الدِّيَةَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ كَذَا هَذَا، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ صَدْمَةَ نَفْسِهِ مَعَ صَدْمِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ لَمَا لَزِمَ بَانِي الْحَائِطِ عَلَى الطَّرِيقِ جَمِيعُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ مَشَى إلَيْهِ وَصَدْمَهُ.
وَكَذَلِكَ حَافِرُ الْبِئْرِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاشِي قَدْ مَشَى إلَيْهَا رَجُلَانِ مَدَّا حَبْلًا حَتَّى انْقَطَعَ فَسَقَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ سَقَطَا عَلَى ظَهْرِهِمَا فَمَاتَا- فَلَا ضَمَانَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَمُتْ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ؛ إذْ لَوْ مَاتَ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ لَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ عُلِمَ أَنَّهُ سَقَطَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَدُّهُ، فَقَدْ مَاتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ سَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا فَمَاتَا فَدِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جَذْبِهِ، وَإِنْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى ظَهْرِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهِهِ فَمَاتَا جَمِيعًا- فَدِيَةُ الَّذِي سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ جَذْبُهُ، وَدِيَةُ الَّذِي سَقَطَ عَلَى ظَهْرِهِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَطَعَ قَاطِعٌ الْحَبْلَ فَسَقَطَا جَمِيعًا فَمَاتَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَاطِعِ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إتْلَافِهِمَا وَالْإِتْلَافُ تَسْبِيبًا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَحَفْرِ الْبِئْرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ: صَبِيٌّ فِي يَدِ أَبِيهِ جَذَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَدِهِ، وَالْأَبُ يُمْسِكُهُ حَتَّى مَاتَ فَدِيَتُهُ عَلَى الَّذِي جَذَبَهُ وَيَرِثَهُ أَبُوهُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ مُحِقٌّ فِي الْإِمْسَاكِ وَالْجَاذِبُ مُتَعَدٍّ فِي الْجَذْبِ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَجَاذَبَ رَجُلَا صَبِيًّا، وَأَحَدُهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَمَاتَ مِنْ جَذْبِهِمَا- فَعَلَى الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ عَبْدُهُ دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْجَذْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الصَّبِيِّ، إذَا زَعَمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَبُوهُ- فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ عَبْدُهُ- فَكَانَ إمْسَاكُهُ بِحَقٍّ، وَجَذْبُ الْآخَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَيَضْمَنُ.
رَجُلٌ فِي يَدِهِ ثَوْبٌ تَشَبَّثَ بِهِ رَجُلٌ فَجَذَبَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ يَدِهِ فَخَرَقَ الثَّوْبَ ضَمِنَ الْمُمْسِكُ نِصْفَ الْخَرْقِ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الثَّوْبِ فِي دَفْعِ الْمُمْسِكِ، وَعَلَيْهِ دَفْعُهُ بِغَيْرِ جَذْبٍ فَإِذَا جَذَبَ فَقَدْ حَصَلَ التَّلَفُ مِنْ فِعْلِهِمَا فَانْقَسَمَ الضَّمَانُ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ فَجَذَبَ الْمَعْضُوضُ ذِرَاعَهُ مِنْ فِيهِ؛ فَسَقَطَتْ أَسْنَانُ الْعَاضِّ، وَذَهَبَ لَحْمُ ذِرَاعِ هَذَا- تُهْدَرُ دِيَةُ الْأَسْنَانِ، وَيَضْمَنُ الْعَاضُّ أَرْشَ الذِّرَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَاضَّ مُتَعَدٍّ فِي الْعَضِّ، وَالْجَاذِبُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْجَذْبِ؛ لِأَنَّ الْعَضَّ ضَرَرٌ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ رَجُلٌ جَلَسَ إلَى جَنْبِ رَجُلٍ فَجَلَسَ عَلَى ثَوْبِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَامَ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَانْشَقَّ ثَوْبُهُ مِنْ جُلُوسِ هَذَا عَلَيْهِ يَضْمَنُ الْجَالِسُ نِصْفَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْ الْجُلُوسِ وَالْجَذْبِ، وَالْجَالِسُ مُتَعَدٍّ فِي الْجُلُوسِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَكَانَ التَّلَفُ حَاصِلًا مِنْ فِعْلَيْهِمَا فَيَنْقَسِمُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا.
رَجُلٌ أَخَذَ بِيَدِ إنْسَانٍ، فَصَافَحَهُ، فَجَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ، فَانْقَلَبَ، فَمَاتَ- فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ غَيْرُ مُعْتَدٍ فِي الْأَخْذِ لِلْمُصَافَحَةِ بَلْ هُوَ مُقِيمٌ سُنَّةً، وَإِنَّمَا الْجَاذِبُ هُوَ الَّذِي تَعَدَّى عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ جَذَبَ يَدَهُ لَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ لَحِقَهُ مِنْ الْآخِذِ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ يَدَهُ لِيَعْصِرَهَا، فَآذَاهُ، فَجَرَّ يَدَهُ- ضَمِنَ الْآخِذُ دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَدِّي، وَإِنَّمَا صَاحِبُ الْيَدِ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْجَرِّ، وَلَهُ ذَلِكَ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَعَدِّي، فَإِنْ انْكَسَرَتْ يَدُ الْمُمْسِكِ، وَهُوَ الْآخِذُ بِالْجَذْبِ- لَمْ يَضْمَنْ الْجَاذِبُ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مِنْ الْمُمْسِكِ، فَكَانَ جَانِيًا عَلَى نَفْسِهِ- فَلَا ضَمَانَ عَلَى غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) الثَّانِي فَنَحْوُ جِنَايَةِ الْحَافِرِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يُحْدِثُ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَجِنَايَةُ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ، وَجِنَايَةُ النَّاخِسِ، وَجِنَايَةُ الْحَائِطِ.
(أَمَّا) جِنَايَةُ الْحَافِرِ، فَالْحَفْرُ لَا يَخْلُو (إمَّا) إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ أَصْلًا.
(وَأَمَّا) إنْ كَانَ فِي الْمِلْكِ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ بِأَنْ كَانَ فِي الْمَفَازَةِ- لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ لَيْسَ بِقَتْلٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ تَسْبِيبٌ إلَى الْقَتْلِ إلَّا أَنَّ التَّسْبِيبَ قَدْ يُلْحَقُ بِالْقَتْلِ إذَا كَانَ الْمُسَبِّبُ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسْبِيبِ، وَالْمُتَسَبِّبُ هاهنا لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ فِي الْمَفَازَةِ مُبَاحٌ مُطْلَقٌ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، فَانْعَدَمَ الْقَتْلُ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَلَا يَجِبُ الضَّمَانَ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ- فَلَا يَخْلُو: أَمَّا إنْ مَاتَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ.
وَإِمَّا إنْ مَاتَ غَمًّا أَوْ جُوعًا، فَإِنْ مَاتَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ فَالْحَافِرُ لَا يَخْلُو: إمَّا إنْ كَانَ حُرًّا، وَإِمَّا إنْ كَانَ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَ حُرًّا يَضْمَنُ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْمَارِّ فِيهَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، فَيَضْمَنُ الدِّيَةَ، وَتَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ الْمُطْلَقِ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْقَاتِلِ نَظَرًا لَهُ، وَالْقَتْلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ دُونَ الْقَتْلِ الْخَطَأِ، فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّخْفِيفِ أَبْلُغَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ مُبَاشَرَةً.
وَالْحَفْرُ لَيْسَ بِقَتْلٍ أَصْلًا حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالْقَتْلِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الدِّيَةِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ الْمُطْلَقِ إنَّمَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْحَيَاةِ بِالسَّلَامَةِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِ فَوْتِ السَّلَامَةِ، وَذَلِكَ بِالْقَتْلِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَجِبْ الشُّكْرَ.
وَكَذَا لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، إنْ كَانَ وَارِثًا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَا الْوَصِيَّةَ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ» وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ» وَلَمْ يُوجَدْ الْقَتْلُ حَقِيقَةً، وَإِنْ مَاتَ غَمًّا أَوْ جُوعًا فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَضْمَنُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفُ- رَحِمَهُ اللَّهُ- إنْ مَاتَ غَمًّا يَضْمَنُ وَإِنْ مَاتَ جُوعًا لَا يَضْمَنُ (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّ الضَّمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ بِسَبَبِ السُّقُوطِ إنَّمَا وَجَبَ لِكَوْنِ الْحَفْرُ تَسْبِيبًا إلَى الْهَلَاكِ، وَمَعْنَى التَّسْبِيبِ مَوْجُودٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ سَبَبُ الْغَمِّ وَالْجُوعِ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ، وَإِذَا طَالَ مُكْثُهُ يَلْحَقُهُ الْجُوعُ، وَالْوُقُوعُ بِسَبَبِ الْحَفْرِ، فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِ، كَمَا إذَا حَبَسَهُ فِي مَوْضِعٍ حَتَّى مَاتَ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْغَمَّ مِنْ آثَارِ الْوُقُوعِ، فَكَانَ مُضَافًا إلَى الْحَفْرِ، فَأَمَّا الْجُوعُ فَلَيْسَ مِنْ آثَارِهِ، فَلَا يُضَافُ إلَى الْحَفْرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ لَا صُنْعَ لِلْحَافِرِ فِي الْغَمِّ، وَلَا فِي الْجُوعِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُمَا يَحْدُثَانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِمَا أَصْلًا لَا مُبَاشَرَةً، وَلَا تَسْبِيبًا أَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فَلَا شَكَّ فِي انْتِقَائِهَا.
وَأَمَّا التَّسْبِيبُ فَلِأَنَّ الْحَفْرَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْجُوعِ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْشَأُ مِنْهُ بَلْ مِنْ سَبَبٍ آخَرَ، وَالْغَمُّ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الْبِئْرِ فَإِنَّهَا قَدْ تَغُمُّ، وَقَدْ لَا تَغُمُّ، فَلَا يُضَافُ ذَلِكَ إلَى الْحَفْرِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَضَمَانُهَا عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ، وَالْوُقُوعُ بِسَبَبِ الْحَفْرِ، ثُمَّ إنْ بَلَغَ الْقَدْرَ الَّذِي تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ حَمَلَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَيَكُونُ فِي مَالِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَاقِعُ غَيْرَ بَنِي آدَمَ؛ لِأَنَّ ضَمَانُ الْمَالِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ كَمَا لَا تَتَحَمَّلُ سَائِرَ الدُّيُونِ ثُمَّ إنَّ جِنَايَاتِ الْحَفْرِ، وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْ الْحُرِّ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ جِنَايَةٍ أَرْشُهَا وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا يُشْرَكُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِالْحَفْرِ جَنَى عَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِيَالِهِ، فَيُؤْخَذُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِنَايَاتِ بِحِيَالِهَا، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنْ كَانَ الْحَافِرُ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَ قِنًّا فَجِنَايَتُهُ بِالْحَفْرِ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ بِيَدِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنْ يُخَاطِبَ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، قَلَّتْ جِنَايَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَاحِدًا يَدْفَعُ إلَيْهِ أَوْ يَفْدِي، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً يَدْفَعُ إلَيْهِمْ أَوْ يَفْدِي بِجَمِيعِ الْأُرُوشِ؛ لِأَنَّ جِنَايَاتِ الْقِنِّ فِي رَقَبَتِهِ يُقَالُ لِلْمَوْلَى: ادْفَعْ أَوْ أَفْدِ، وَالرَّقَبَةُ تَتَضَايَقُ عَنْ الْحُقُوقِ فَيَتَضَارَبُونَ فِي الرَّقَبَةِ، وَالْوَاجِبُ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَاقِلَةِ، وَالذِّمَّةُ لَا تَتَضَايَقُ عَنْ الْحُقُوقِ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا وَاحِدٌ فَمَاتَ فَدَفَعَهُ الْمَوْلَى إلَى وَلِيِّ جِنَايَتِهِ ثُمَّ وَقَعَ آخَرُ يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِي الرَّقَبَةِ الْمَدْفُوعَةِ.
وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ فَكُلَّمَا يَحْدُثُ مِنْ جِنَايَةٍ بَعْدَ الدَّفْعِ فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ الْأَوَّلَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَضْرِبُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ إلَى الْأَوَّلِ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ ثُمَّ الْجِنَايَةُ فِي حَقِّ الثَّانِي وَالثَّالِثِ حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْحَفْرِ أَيْضًا، وَالْحُكْمُ فِيهَا وُجُوبُ الدَّفْعِ، فَكَانَ الدَّفْعُ إلَى الْأَوَّلِ دَفْعًا إلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ حَفَرَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الْحَفْرِ قَبْلَ الْوُقُوعِ ثُمَّ لَحِقَتْ الْجِنَايَاتُ، فَذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى فِي قِيمَتِهِ يَوْمَ عَتَقَ يَشْتَرِكُ فِيهَا أَصْحَابُ الْجِنَايَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ وَبَعْدَهُ يَضْرِبُ فِي ذَلِكَ كُلَّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقِنِّ، وَإِنْ كَثُرَتْ- فَالْوَاجِبُ فِيهَا الدَّفْعُ وَالْوَلِيُّ بِالْإِعْتَاقِ فَوَّتَ الدَّفْعَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الدَّفْعِ حَصَلَ بِالْإِعْتَاقِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّدْبِيرِ بَلْ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ فَوَاتُ الدَّفْعِ بِالتَّدْبِيرِ، لَكِنَّ التَّدْبِيرَ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْجِنَايَةُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْحَافِرُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ قَلَّتْ الْجِنَايَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَفْرِ وَلَا تُعْتَبَرُ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ وَنُقْصَانُهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ جَانِيًا بِسَبَبِ الْحَفْرِ عِنْدَ الْوُقُوعِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ كَمَا إذَا جَنَى بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَجِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى مَوْلَاهُ، كَمَا إذَا جَنَى بِيَدِهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْحَفْرِ؛ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، فَجَاءَ إنْسَانٌ، وَدَفَعَ إنْسَانًا، وَأَلْقَاهُ فِيهَا- فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ لَا عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ قَاتِلٌ مُبَاشَرَةً وَلَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا فِي قَعْرِ الْبِئْرِ فَسَقَطَ إنْسَانٌ فِيهَا لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ مَعَ الْوَاضِعِ هاهنا كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ فَحَفَرَ مِنْ أَسْفَلِهَا ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَالضَّمَان عَلَى الْأَوَّلِ كَذَا ذَكَر الْكَرْخِيُّ وَذَكَر مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الْكِتَابِ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَضْمَنَ الْأَوَّلُ ثُمَّ قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْسَانَ، وَذَكَر الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الِاسْتِحْسَانِ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجِنَايَةِ، وَهِيَ الْحَفْرُ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الضَّمَانِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ سَبَبَ الْوُقُوعِ حَصَلَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحَفْرُ بِإِزَالَةِ الْمَسْكَةِ، وَالْحَفْرُ مِنْ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ نَصْبِ السِّكِّينِ أَوْ وَضْعِ الْحَجَرِ فِي قَعْرِ الْبِئْرِ، فَكَانَ الْأَوَّلُ كَالدَّافِعِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فَجَاءَ إنْسَانٌ وَوَسَّعَ رَأْسَهَا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ- فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ هَكَذَا أَطْلَقَ فِي الْكِتَابِ، وَلَمْ يُفَصَّلْ، وَقِيلَ: جَوَابُ الْكِتَابِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَسَّعَ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَقَعُ رَجُلٌ فِي حَفْرِهِمَا (فَأَمَّا) إذَا وَسَّعَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَقَعُ قَدَمُهُ فِي حَفْرِ الثَّانِي فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي لَا عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّوَسُّعَ إذَا كَانَ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَقَعُ قَدَمُهُ فِي حَفْرِهِمَا كَانَ الْوُقُوعُ بِسَبَبٍ وُجِدَ مِنْهُمَا، وَهُوَ حَفْرُهُمَا فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَإِذَا كَانَ كَثِيرًا كَانَ الْوُقُوعُ بِسَبَبٍ وُجِدَ مِنْ الثَّانِي فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ كَبَسَهَا فَجَاءَ رَجُلٌ، وَأَخْرَجَ مَا كُبِسَ، فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ- فَالْكَبْسُ لَا يَخْلُو: إمَّا إنْ كَانَ بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ.
(وَأَمَّا) إنْ كَانَ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنْ كَانَ بِالْأَوَّلِ فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ بِالثَّانِي فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَبْسَ بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ يُعَدُّ طَمًّا لِلْبِئْرِ، وَإِلْحَاقًا لَهُ بِالْعَدَمِ، فَكَانَ إخْرَاجُ ذَلِكَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ إخْرَاجِ بِئْرٍ أُخْرَى (فَأَمَّا) الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوِهِمَا- فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ طَمًّا بَلْ يُعَدُّ شَغْلًا لَهَا.
أَلَا يَرَى أَنَّهُ بَقِيَ أَثَرُ الْحَفْرِ بَعْدَ الْكَبْسِ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَلَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْكَبْسِ بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَسَدَّ الْحَافِرَ رَأْسَهَا ثُمَّ جَاءَ إنْسَانٌ فَنَقَضَهُ، فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ- فَالضَّمَان عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الْحَفْرِ لَمْ يَنْعَدِمْ بِالسَّدِّ، لَكِنَّ السَّدَّ صَارَ مَانِعًا مِنْ الْوُقُوعِ، وَالْفَاتِحُ بِالْفَتْحِ أَزَالَ الْمَانِعَ، وَزَوَالُ الْمَانِعِ شَرْطٌ لِلْوُقُوعِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ لَا إلَى الشَّرْطِ، وَلَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ فَتَعَثَّرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا آخَرُ- فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِسَبَبِ التَّعَثُّرِ، وَالتَّعَثُّرُ بِسَبَبِ وَضْعِ الْحَجَرِ، وَالْوَضْعُ تَعَدٍّ مِنْهُ فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى وَضْعِ الْحَجَرِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَضَعْهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّهُ حِمْلُ السَّيْلِ- فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ إلَى الْحَجَرِ لِعَدَمِ التَّعَدِّيَ مِنْهُ، فَيُضَافُ إلَى الْحَافِرِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فِي الْحَفْرِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحَافِرُ وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ فَقَالَ الْحَافِرُ: هُوَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِيهَا مُتَعَمِّدًا.
وَقَالَ الْوَرَثَةُ: بَلْ وَقَعَ فِيهَا- فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَافِرِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ عَمْدًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ الْآخَرِ: أَنَّ حَاصِلَ الِاخْتِلَافِ يَرْجِعُ إلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ، فَالْوَرَثَةُ يَدَّعُونَ عَلَى الْحَافِرِ الضَّمَانَ، وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ الظَّاهِرِ مُعَارَضٌ بِظَاهِرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَارَّ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ يَرَى الْبِئْرَ فَتَعَارَضَ الظَّاهِرَانِ فَبَقِيَ الضَّمَانُ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ.
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَوَقَعَ رَجُلٌ فِيهَا فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ، وَتَعَلَّقَ الثَّانِي بِثَالِثٍ، فَوَقَعُوا، فَمَاتُوا- فَهَذَا فِي الْأَصْلِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
(أَمَّا) إنْ عَلِمَ حَالَ مَوْتِهِمْ بِأَنْ خَرَجُوا أَحْيَاءً فَأَخْبَرُوا عَنْ حَالِهِمْ.
(وَإِمَّا) إنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ (فَأَمَّا) مَوْتُ الْأَوَّلِ فَلَا يَخْلُو مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ (إمَّا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ خَاصَّةً.
(وَإِمَّا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ خَاصَّةً.
(وَإِمَّا) إنْ عَلِمَ إنْ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ خَاصَّةً.
(وَإِمَّا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ.
(وَإِمَّا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ.
(وَإِمَّا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ خَاصَّةً- فَالضَّمَان عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّ الْحَافِرَ هُوَ الْقَاتِلُ تَسْبِيبًا، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ خَاصَّةً فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ حَيْثُ جَرَّهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَجِنَايَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ خَاصَّةً- فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْأَوَّلِ حَتَّى أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ فَنِصْفُهُ هَدَرٌ، وَنِصْفُهُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ جَرَّهُ الثَّانِيَ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَجَرُّ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرُ فَهُدِرَ النِّصْفُ وَبَقِيَ النِّصْفُ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعُ الثَّانِيَ عَلَيْهِ فَالنِّصْفُ عَلَى الْحَافِرِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْهُ بِالْحَفْرِ وَالنِّصْفُ هَدَرٌ لِجَرِّهِ الثَّانِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَالنِّصْفُ عَلَى الْحَافِرِ، وَالنِّصْفُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ فَالثُّلُثُ هَدَرٌ، وَالثُّلُثُ عَلَى الْحَافِرِ، وَالثُّلُثُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ: أَحَدُهُمَا هَدَرٌ، وَهِيَ جَرُّهُ الثَّانِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَبَقِيَتْ جِنَايَةُ الْحَافِرِ، وَجِنَايَةُ الثَّانِي بِجَرَّةِ الثَّالِثَ عَلَى الْأَوَّلِ فَتُعْتَبَرُ.
(وَأَمَّا) مَوْتُ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (إمَّا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ خَاصَّةً، وَإِمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَإِمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ، وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِ فِي الْبِئْرِ خَاصَّةً- فَدِيَتُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ عَلَى الْحَافِرِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ إلَى الْبِئْرِ، فَكَانَ كَالدَّافِعِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ خَاصَّةً فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ حَيْثُ جَرَّ الثَّالِثَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُدِرَ دَمُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِ فِي الْبِئْرِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَالنِّصْفُ هَدَرٌ، وَالنِّصْفُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِعْلُ نَفْسِهِ، وَهُوَ جَرُّهُ الثَّالِثَ عَلَى نَفْسِهِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ، وَالثَّانِي فِعْلُ غَيْرِهِ، وَهُوَ جَرُّ الْأَوَّلِ وَإِيقَاعُهُ فِي الْبِئْرِ.
وَأَمَّا مَوْتُ الثَّالِثِ فَلَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ، وَهُوَ سُقُوطُهُ فِي الْبِئْرِ، وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ إلَى الْبِئْرِ وَأَوْقَعَهُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ حَالُ وُقُوعِهِمْ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ- فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ وُجِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِمَّا إنْ وُجِدُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَافِرِ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ- فَالْقِيَاسُ هَكَذَا أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ دِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَافِرِ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: دِيَةُ الْأَوَّلِ أَثْلَاثٌ: ثُلُثٌ عَلَى الْحَافِرِ، وَثُلُثٌ عَلَى الثَّانِي، وَثُلُثٌ هَدَرٌ، وَدِيَةُ الثَّانِي نِصْفَانِ: نِصْفٌ هَدَرٌ وَنِصْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَدِيَةُ الثَّالِثِ كُلُّهَا عَلَى الثَّانِي، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ وَجَّهَ الْقِيَاسَ أَنَّهُ وُجِدَ لِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْحَفْرُ لِلْأَوَّلِ، وَالْجَرُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي، وَالْجَرُّ مِنْ الثَّانِي لِلثَّالِثِ، وَإِضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي الْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صَالِحٌ لِلْمَوْتِ: وُقُوعُهُ فِي الْبِئْرِ، وَوُقُوعُ الثَّانِي، وَوُقُوعُ الثَّالِثِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ وُقُوعَ الثَّانِي عَلَيْهِ حَصَلَ بِجَرِّهِ إيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهَدَرَ الثُّلُثُ وَبَقِيَ الثُّلُثَانِ: ثُلُثٌ عَلَى الْحَافِرِ بِحَفْرِهِ: وَثُلُثٌ عَلَى الثَّانِي بِجَرِّهِ الثَّالِثَ عَلَى نَفْسِهِ، وَوُجِدَ فِي الثَّانِي شَيْئَانِ: الْحَفْرُ، وَوُقُوعُ الثَّالِثِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ حَصَلَ بِجَرِّهِ فَهَدَرَ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَبَقِيَ النِّصْفُ عَلَى الْحَافِرِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الثَّالِثِ إلَّا سَبَبٌ وَاحِدً، وَهُوَ جَرُّ الثَّانِي إيَّاهُ إلَى الْبِئْرِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَسْبَابِ اعْتِبَارُهَا مَا أَمْكَنَ، وَاعْتِبَارُهَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَحَفَرَ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي فِنَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةُ الِانْتِفَاعِ بِفِنَائِهِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ الضَّرَرَ بِالْمَارَّةِ عَلَى أَصْلِهِمَا مُطْلَقًا، وَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ فَانْصَرَفَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْحَفْرِ إلَيْهِ، فَإِذَا حَفَرَ فِي فِنَائِهِ انْتَقَلَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ إلَيْهِ كَأَنَّهُ حَفَرَ بِنَفْسِهِ، فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ- وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَذَا هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي فِنَائِهِ، فَإِنْ أَعْلَمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِنَائِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ لَا عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَمْ يَحْفِرْ بِأَمْرِهِ فَبَقِيَ فِعْلَهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْحَفْرُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْأَمْرِ بِحَفْرِ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ مُطْلَقًا إنَّمَا يَأْمُرُ بِمَا يَمْلِكَهُ مُطْلَقًا عَادَةً، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْغُرُورِ، وَهُوَ ضَمَانُ الْكَفَالَةِ فِي الْحَقِيقَةِ كَأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحَفْرِ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ.
وَلَوْ أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَحَفَرَ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ فِي فِنَائِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَمْرَ بِالْحَفْرِ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَيَنْتَقِلُ فِعْلُهُ إلَى الْمَوْلَى كَأَنَّهُ حَفَرَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ يُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَفْرِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِ فِنَائِهِ فَصَارَ مُبْتَدِئًا فِي الْحَفْرِ بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ أَعْلَمَ الْعَبْدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِنَائِهِ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِخِلَافِ الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ هُنَاكَ بِمَعْنَى الْغُرُورِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْغُرُورُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْعِلْمُ وَالْجَهْلُ، وَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ فِي الْمِلْكِ فَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ يَضْمَنُ الْحَافِرُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْبِيبِ، وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّارِ: أَنَا أَمَرْتُهُ بِالْحَفْرِ وَأَنْكَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ- فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ صَاحِبُ الدَّارِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يُصَدَّقُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَافِرِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْحَفْرَ وَقَعَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ، وَأَنَّهُ مَحْظُورٌ، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا فِي الْحَفْرِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، فَصَاحِبُ الدَّارِ بِالتَّصْدِيقِ يُرِيدُ إبْرَاءَ الْجَانِي عَنْ الضَّمَانِ فَلَا يُصَدَّقُ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الدَّارِ: أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ لِلْحَالِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فَيُصَدَّقُ، وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ مُبَاحٌ مُطْلَقٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسْبِيبِ، وَإِنْ كَانَ فِي فِنَائِهِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالسَّيْرِ فِي الطَّرِيقِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْبَعَةً يَحْفِرُونَ لَهُ بِئْرًا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ- فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ رُبْعُ الدِّيَةِ، وَهَدَرَ الرُّبْعُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ أَرْبَعِ جِنَايَاتٍ إلَّا أَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ، فَبَطَلَ الرُّبْعُ، وَبَقِيَ جِنَايَاتُ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ، فَتُعْتَبَرُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الرُّبْعُ.
وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْقَارِصَةِ وَالْقَامِصَةِ وَالْوَاقِصَةِ بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا وَهُنَّ ثَلَاثُ جَوَارٍ رَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ الْأُخْرَى فَقَرَصَتْ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ فَقَضَى لِلَّتِي وَقَصَتْ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ عَلَى صَاحِبَتِهَا، وَأَسْقَطَ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِصَةَ أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَرُوِيَ أَنَّ عَشَرَةً مَدُّوا نَخْلَةً فَسَقَطَتْ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَمَاتَ فَقَضَى سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُشْرِ الدِّيَةِ، وَأَسْقَطَ الْعُشْرَ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ حُرًّا وَعَبْدًا مَحْجُورًا وَمُكَاتَبًا يَحْفِرُونَ لَهُ بِئْرًا، فَوَقَعَتْ الْبِئْرُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ، فَمَاتُوا- فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْحُرِّ وَلَا فِي الْمُكَاتَبِ، وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ لِمَوْلَاهُ أَمَّا الْحُرُّ وَالْمُكَاتَبُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَهُمَا وَقَعَ صَحِيحًا، فَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ إيَّاهُمَا فِي الْحَفْرِ بِنَاءً عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَوُقُوعُ الْبِئْرِ عَلَيْهِمَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلِأَنَّ اسْتِئْجَارَهُ لَمْ يَصِحَّ، فَصَارَ الْمُسْتَأْجِرُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَفْرِ غَاصِبًا إيَّاهُ فَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، فَإِذَا هَلَكَ فَقَدْ تَقَرَّرَ الضَّمَانُ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَوْلَاهُ ثُمَّ إذَا دَفَعَ قِيمَتَهُ إلَى الْمَوْلَى- فَالْمَوْلَى يَدْفَعُ الْقِيمَةَ إلَى وَرَثَةِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ فَيَتَضَارَبُونَ فِيهَا فَيَضْرِبُ وَرَثَةُ الْحُرِّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْحُرِّ وَوَرَثَةُ الْمُكَاتَبِ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَصَلَ بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ: بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ، وَجِنَايَةِ صَاحِبَيْهِ، فَصَارَ قَدْرُ الثُّلُثِ مِنْ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ تَالِفًا بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ، وَجِنَايَةُ الْقِنِّ تُوجِبُ الدَّفْعَ، وَلَوْ كَانَ قِنًّا لَوَجَبَ دَفْعُهُ إلَى وَرَثَةِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ يَتَضَارَبُونَ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، فَإِذَا هَلَكَ وَجَبَ دَفْعُ الْقِيمَةِ إلَيْهِمْ يَتَضَارَبُونَ فِيهَا أَيْضًا فَيَضْرِبُ وَرَثَةُ الْحُرِّ فِيهَا بِثُلُثِ دِيَةِ الْحُرِّ، وَوَرَثَةُ الْمُكَاتَبِ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ، وَالْمُكَاتَبَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُسَلِّمُ لَهُ تِلْكَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِرَدِّ قِيمَتِهِ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ رَدَّهُ مَشْغُولًا، وَقَدْ كَانَ غَصْبُهُ فَارِغًا، فَلَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ فِي حَقِّ الشُّغْلِ، فَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ مِنْ الْحُرِّ عَلَى ثُلُثِ عَبْدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَيَضْمَنُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ فَتُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَتِهِ، وَيَأْخُذُ وَرَثَةُ الْمُكَاتَبِ أَيْضًا مِنْ عَاقِلَةِ الْحُرِّ ثُلُثَ قِيمَةَ الْمُكَاتَبِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْحُرِّ عَلَى ثُلُثِ قِيمَتِهِ فَيَضْمَنُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَتِهِ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُكَاتَبِ مِقْدَارُ قِيمَتِهِ فَتَكُونُ بَيْنَ وَرَثَةِ الْحُرِّ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْهُ عَلَى الْحُرِّ وَعَلَى الْعَبْدِ يَضْرِبُ وَرَثَةُ الْحُرِّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْحُرِّ، وَيَضْرِبُ الْمُسْتَأْجِرُ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى ثُلُثِ الْحُرِّ وَعَلَى ثُلُثِ الْعَبْدِ فَأَتْلَفَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَهُ، وَالْحُرُّ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ، وَالْعَبْدُ بِالْقِيمَةِ، وَقَدْ مَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَبْدَ بِالضَّمَانِ، فَكَانَ ضَمَانُ الْوَارِدَةِ عَلَى مِلْكِهِ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
وَقَالُوا فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي سُوقِ الْعَامَّةِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ وَمَاتَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَفْرُ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ اتَّخَذَ قَنْطَرَةً لِلْعَامَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ (وَوَجْهُهُ) أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ الْإِذْنُ بِهِ ثَابِتًا دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ دَلَالَةً، كَالثَّابِتِ نَصًّا.
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ حَقًّا لَهُمْ، وَالتَّدْبِيرُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ إلَى الْإِمَامِ، فَكَانَ الْحَفْرُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَالْحَفْرِ فِي دَارِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّارِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمُ الْحَافِرِ فِي الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْحَافِرِ مِمَّنْ يُحْدِثُ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ، كَمَنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ نَصَبَ فِيهِ مِيزَابًا، فَصَدَمَ إنْسَانًا، فَمَاتَ، أَوْ بَنَى دُكَّانًا، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا أَوْ خَشَبَةً أَوْ مَتَاعًا، أَوْ قَعَدَ فِي الطَّرِيقِ لِيَسْتَرِيحَ، فَعَثَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَاثِرٌ، فَوَقَعَ، فَمَاتَ أَوْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِهِ، فَقَتَلَهُ أَوْ حَدَثَ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَثْرَةِ وَالسُّقُوطِ جِنَايَةٌ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي الطَّرِيقِ فَزُلِقَ بِهِ إنْسَانٌ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَامِنٌ.
وَكَذَلِكَ مَا عَطِبَ بِذَلِكَ مِنْ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهُ سَبَّبَ التَّلَفَ بِإِحْدَاثِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْبِيبِ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الرَّمْيِ ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ الْجِنَايَةِ فِي بَنِي آدَمَ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةَ إذَا بَلَغَتْ الْقَدْرَ الَّذِي تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةَ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْقَدْرَ، أَوْ كَانَ مِنْهَا فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ يَكُونُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ تَحْمِيلَ الْعَاقِلَةِ ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} عَرَفْنَاهُ بِنَصٍّ خَاصٍّ فِي بَنِي آدَمَ بِهَذَا الْقَدْرِ فَبَقِيَ الْأَمْرُ فِيمَا دُونَهُ، وَفِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ عَلَى الْأَصْلِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لَوْ كَانَ وَارِثًا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَا الْوَصِيَّةَ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ، وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ وَضَعَ كُنَاسَةً فِي الطَّرِيقِ فَعَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ: إنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِوَضْعِهِ، وَهُوَ فِي الْوَضْعِ مُعْتَدٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ وَضَعَ ذَلِكَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ- لَمْ يَضْمَنْ لِعَدَمِ التَّعَدِّي مِنْهُ؛ إذْ الطَّرِيقُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَهْلِ السِّكَّةِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَلَوْ سَقَطَ الْمِيزَابُ الَّذِي نَصَبَهُ صَاحِبُ الدَّارِ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ إنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الدَّاخِلُ فِي الْحَائِطِ- لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِيهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ إلَى الطَّرِيقِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي إخْرَاجِهِ إلَى الطَّرِيقِ، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا يَضْمَنُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي النِّصْفِ لَا غَيْرُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِيَ- فَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الدَّاخِلُ لَا: يَضْمَنُ.
وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ الطَّرَف الْخَارِج: يَضْمَنُ: وَالضَّمَانُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي وُجُوبِهِ فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يَضْمَنُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ الطَّرَفَ الَّذِي أَصَابَهُ إنَّهُ الدَّاخِلُ أَوْ الْخَارِجُ- يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا كَمَا فِي الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى إنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فِي مَوْتِهِمْ يُجْعَلُ كَأَنَّهُمْ مَاتُوا جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي أَوَانٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَا يَرِثَ الْبَعْضُ مِنْ الْبَعْضِ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ أَحْدَثَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ الْمَاءَ أَوْ بَنَى فِيهِ بِنَاءً: دُكَّانًا أَوْ غَيْرَهُ، فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ، فَإِنْ كَانَ الْحَافِرُ وَالْبَانِي مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ- فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَإِنْ فَعَلَ بِإِذْنِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ فَعَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ تَدْبِيرَ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ إلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ، فَمَا فَعَلُوهُ- لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِمْ، كَالْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْيَتِيمِ، وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ إذَا فَعَلَ فِي الْوَقْفِ.
وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا فَعَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي فِعْلِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا، وَلَوْ عَلَّقَ قِنْدِيلًا أَوْ بَسَطَ حَصِيرًا أَوْ أَلْقَى فِيهِ الْحَصَى، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ فَعَلَهُ بِإِذْنِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ فَعَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ يَضْمَنُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَضْمَنُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدِ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ بِسَبِيلٍ مِنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَصَالِحَ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ} مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ إلَّا أَنَّ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ ضَرْبَ اخْتِصَاصٍ بِهِ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ بِالْحَفْرِ وَالْبِنَاءِ لَا فِي الْقِنْدِيلِ وَالْحَصِيرِ، كَالْمَالِكِ مَعَ الْمُسْتَعِيرِ أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ وِلَايَةَ بَسْطِ الْحَصِيرِ، وَتَعْلِيقِ الْقِنْدِيلِ فِي دَارِ الْإِعَارَةِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْحَفْرِ وَالْبِنَاءِ كَذَا هَذَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- مَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ إلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ لَا إلَى غَيْرِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُمْ وِلَايَةَ مَنْعِ غَيْرِهِمْ عَنْ التَّعْلِيقِ وَالْبَسْطِ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ الْغَيْرُ مُتَعَدِّيًا فِي فِعْلِهِ فَالْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي دَارِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ.
وَلِهَذَا ضَمِنَ بِالْحَفْرِ وَالْبِنَاءِ كَذَا هَذَا.
وَكَوْنُ الْمَسْجِدَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْنَعُ اخْتِصَاصَ أَهْلِهِ بِالتَّدْبِيرِ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِ كَالْكَعْبَةِ، فَإِنَّهَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اُخْتُصَّ بَنُو شَيْبَةَ بِمَفَاتِحِهَا حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَخَذَ مَفَاتِحَ الْكَعْبَةِ مِنْهُمْ، وَدَفَعَهُ إلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ طَلَبِهِ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِرَدِّهِ إلَى بَنِي شَيْبَةَ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا}.
وَلَوْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَضْمَنُ الْجَالِسُ سَوَاءٌ كَانَ الْجَالِسُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، فَلَوْ أُخِذَ الْمُصَلِّي بِالضَّمَانِ لَصَارَ النَّاسُ مَمْنُوعِينَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ جَلَسَ لِحَدِيثٍ أَوْ نَوْمٍ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ يَضْمَنُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي قَوْلِهِمَا: لَا يَضْمَنُ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَدِيثِ وَالنَّوْمِ مُبَاحٌ فَلَمْ يَكُنْ الْهَلَاكُ حَاصِلًا بِسَبَبٍ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ- فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ فَعَبَرَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ فَعَطِبَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْحَدِيثِ وَالنَّوْمِ، فَإِذَا شَغَلَهُ بِذَلِكَ صَارَ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ، كَمَا لَوْ جَلَسَ فِي الطَّرِيقِ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ جُعِلَ لِلِاجْتِيَازِ لَا لِلْجُلُوسِ، وَإِذَا جَلَسَ فَقَدْ صَارَ مُتَعَدِّيًا- فَيَضْمَنُ كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُمَا الْحَدِيثُ وَالنَّوْمُ مُبَاحٌ فِي الْمَسْجِدِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَكَانَ تَعَدِّيًا، وَلَوْ جَلَسَ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ أَوْ لِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ أَوْ لِعِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ عَلَى أَصْلِهِمَا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ لِغَيْرِ قُرْبَةٍ لَا يَضْمَنُ فَإِذَا جَلَسَ لِقُرْبَةٍ فَهُوَ أَوْلَى.
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِالْمُصَلِّي فِي حَقِّ الثَّوَابِ لَا غَيْرُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ جِنَايَةُ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ بِأَنْ سَاقَ دَابَّةً فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَادَهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا بِيَدَيْهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ كَدَمَتْ أَوْ صَدَمَتْ أَوْ خَبَطَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ السَّوْقَ وَالْقَوْدَ فِي الطَّرِيقِ مُبَاحٌ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، فَإِذَا حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَوَقَعَ تَعَدِّيًا فَالْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ عَنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا، وَهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِأَنْ يَذُودَ النَّاسَ عَنْ الطَّرِيقِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا.
وَسَوَاءٌ كَانَ السَّائِقُ أَوْ الْقَائِدُ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ رَاكِبًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا وَطِئَتْ دَابَّتُهُ إنْسَانًا بِيَدَيْهَا أَوْ بِرِجْلِهَا، وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ يَتَعَلَّقُ ثُبُوتِهَا بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ لَا بِالتَّسْبِيبِ وَالْمُبَاشَرَةِ مِنْ الرَّاكِبِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا سَائِقًا وَالْآخَرُ قَائِدًا- فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّسْبِيبِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الضَّمَانِ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا سَائِقًا وَالْآخَرُ رَاكِبًا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِدًا وَالْآخَرُ رَاكِبًا،- فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى الرَّاكِبِ وَحْدَهُ فِيمَا وَطِئَتْ دَابَّتُهُ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ لِوُجُودِ الْقَتْلِ مِنْهُ وَحْدَهُ مُبَاشَرَةً.
فَإِنْ قَادَ قِطَارًا فَمَا أَصَابَ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخِرُ أَوْ الْأَوْسَطُ إنْسَانًا بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ صَدَمَ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ- فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا هُوَ سَبَبُ حُصُولِ التَّلَفِ فَيَضْمَنُ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، كَمَا إذَا وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ حَفَرَ فِيهِ بِئْرًا، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فِي آخِرِ الْقِطَارِ- فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبُ التَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ السَّائِقُ فِي وَسَطِ الْقِطَارِ فَمَا أَصَابَ مِمَّا خَلْفَ هَذَا السَّائِقِ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا- فَهُوَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ هُوَ لَهُ سَائِقٌ، وَالْأَوَّلُ لَهُ قَائِدٌ، وَمَا خَلْفَهُ هُمَا لَهُ قَائِدَانِ.
(أَمَّا) قَائِدُ الْقِطَارِ فَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ مَرْبُوطٌ بِبَعْضٍ.
(وَأَمَّا) السَّائِقُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقِطَارِ فَلِأَنَّهُ بِسَوْقِهِ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِدٌ لِمَا خَلْفَهُ لِأَنَّ مَا خَلْفَهُ يَنْقَادُ بِسَوْقِهِ، فَكَانَ قَائِدًا لَهُ، وَالْقَوْدُ وَالسَّوْقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ أَحْيَانًا فِي وَسَطِ الْقِطَارِ، وَأَحْيَانًا يَتَأَخَّرُ، وَأَحْيَانًا يَتَقَدَّمُ، وَهُوَ يَسُوقُهَا فِي ذَلِكَ- فَهُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ سَائِقٌ وَقَائِدٌ وَالسَّوْقُ وَالْقَوْدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَحَدُهُمْ فِي مُقَدَّمَةِ الْقِطَارِ، وَالْآخَرُ فِي مُؤَخَّرَةِ الْقِطَارِ، وَآخَرُ فِي وَسَطِهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَالْمُؤَخَّرِ لَا يَسُوقَانِ، وَلَكِنَّ الْمُقَدَّمَ يَقُودُ فَمَا أَصَابَ الَّذِي قُدَّامُ الْوَسَطِ شَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْقَائِدِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِسَبَبِ الْقَوْدِ، وَمَا أَصَابَ الَّذِي خَلْفَهُ- فَذَلِكَ عَلَى الْقَائِدِ الْأَوَّلِ وَعَلَى الَّذِي فِي الْوَسَطِ؛ لِأَنَّهُمَا قَائِدَانِ لِمَا بَيَّنَّا وَعَلَى الْمُؤَخَّرِ أَيْضًا إنْ كَانَ يَسُوقُ هُوَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسُوقُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ، وَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا يَسُوقُونَ فَمَا تَلِفَ بِذَلِكَ فَضَمَانُهُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لِوُجُودِ التَّسْبِيبِ مِنْهُمْ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَقُودُ قِطَارًا، وَآخَرُ مِنْ خَلْفِ الْقِطَارِ يَسُوقُهُ يَزْجُرُ الْإِبِلَ فَيَنْزَجِرْنَ بِسَوْقِهِ، وَعَلَى الْإِبِلِ قَوْمٌ فِي الْمَحَامِلِ نِيَامٌ، فَوَطِئَ بَعِيرٌ مِنْهَا إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَالرَّاكِبِ عَلَى الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ، وَعَلَى الرَّاكِبِينَ عَلَى الَّذِينَ قُدَّامَ الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ جَمِيعًا عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى رَاكِبِ الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ خَاصَّةً، أَمَّا السَّائِقُ وَالْقَائِدُ فَلِأَنَّهُمَا مُقَرِّبَانِ الْقِطَارَ إلَى الْجِنَايَةِ، فَكَانَا مُسَبِّبَيْنِ لِلتَّلَفِ.
(وَأَمَّا) الرَّاكِبُ لِلْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ فَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَأَمَّا الرَّاكِبُونَ أَمَام الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ فَلِأَنَّهُمْ قَادَةٌ لِجَمِيعِ مَا خَلْفَهُمْ، فَكَانُوا قَائِدِينَ لِلْبَعِيرِ الْوَاطِئِ ضَرُورَةً، فَكَانُوا مُسَبِّبِينَ لِلتَّلَفِ أَيْضًا فَاشْتَرَكُوا فِي سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَانْقَسَمَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّمَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى رَاكِبِ الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِالْمُبَاشَرَةِ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِثِقَلِهِ وَثِقَلِ الدَّابَّةِ إلَّا أَنَّ الدَّابَّةَ آلَةٌ لَهُ، فَكَانَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ بِفِعْلِهِ مُضَافًا إلَيْهِ، فَكَانَ قَاتِلًا بِالْمُبَاشَرَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ الرُّكْبَانِ خَلْفَ الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ لَا يَزْجُرُ الْإِبِلَ، وَلَا يَسُوقُهَا رَاكِبًا عَلَى بَعِيرٍ مِنْهَا أَوْ غَيْرِ رَاكِبٍ- فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ؛ إذْ لَمْ يَسْرِقُوا الْبَعِيرَ الَّذِي وَطِئَ، وَلَمْ يَقُودُوهُ فَصَارُوا كَالْمَتَاعِ عَلَى الْإِبِلِ، وَلَوْ قَادَ قِطَارًا، وَعَلَى بَعِيرٍ فِي وَسَطِ الْقِطَارِ رَاكِبٌ لَا يَسُوقُ مِنْهُ شَيْئًا- فَضَمَانُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْقَائِدِ خَاصَّةً، وَضَمَانُ مَا خَلْفَهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ غَيْرُ سَائِقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ رُكُوبَهُ لِهَذَا الْبَعِيرِ لَا يَكُونُ سَوْقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا أَنَّ مَشْيَهُ إلَى جَانِبِ الْبَعِيرِ لَا يَكُونُ سَوْقًا إيَّاهُ إذَا لَمْ يَسُقْهُ، وَلَكِنَّهُ سَائِقٌ لِمَا رَكِبَهُ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ إنَّمَا يَسِيرُ بِرُكُوبِ الرَّاكِبِ وَحَثِّهِ، وَإِذَا كَانَ سَائِقًا لَهُ كَانَ قَائِدًا لِمَا خَلْفَهُ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَيْهِمَا.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَقُودُ قِطَارًا، فَجَاءَ رَجُلٌ، وَرَبَطَ إلَيْهِ بَعِيرًا فَوَطِئَ الْبَعِيرُ إنْسَانًا- فَالْقَائِدُ لَا يَخْلُو: إمَّا إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِرَبْطِهِ، وَإِمَّا إنْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالدِّيَةُ عَلَى الْقَائِدِ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ ثُمَّ عَاقِلَتُهُ يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ.
(أَمَّا) وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْقَائِدِ فَلِأَنَّهُ قَاتِلٌ تَسْبِيبًا، وَضَمَانُ الْقَتْلِ ضَمَانُ إتْلَافٍ وَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ.
(وَأَمَّا) رُجُوعُ عَاقِلَةِ الْقَائِدِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ فَلِأَنَّ الرَّابِطَ مُتَعَدٍّ فِي الرَّبْطِ، وَهُوَ السَّبَبُ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ لِلْقَائِدِ، فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ وُقُوفًا لَا تُقَادُ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَرَبَطَ إلَيْهَا بَعِيرًا، وَالْقَائِدُ لَا يَعْلَمُ فَقَادَ الْبَعِيرَ مَعَهَا فَوَطِئَ الْبَعِيرُ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى الْقَائِدِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ إلَّا أَنَّ هاهنا لَا تَرْجِعُ عَاقِلَةُ الْقَائِدِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ؛ لِأَنَّ الرَّابِطَ، وَإِنَّ تَعَدَّى فِي الرَّبْطِ، وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ لَكِنَّ الْقَائِدَ لَمَّا قَادَ الْبَعِيرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَقَدْ أَزَالَ تَعَدِّيَهُ فَيَزُولُ الضَّمَانُ عَنْهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْقَائِدِ كَمَنْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيق، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَدَحْرَجَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ عَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ- فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي لَا عَلَى الْأَوَّلِ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ وُجِدَ الرَّبْطُ وَالْإِبِلُ سَائِرَةٌ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ مَكَانُ التَّعَدِّي؛ لِيَزُولَ بِالِانْتِقَالِ عَنْهُ فَبَقِيَ التَّعَدِّيَ بِبَقَاءِ الرَّبْطِ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِدُ عَلِمَ بِالرَّبْطِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا فَقَادَهُ عَلَى ذَلِكَ فَوَطِئَ الْبَعِيرُ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى الْقَائِدِ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ وَلَا تَرْجِعُ عَاقِلَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَادَ مَعَ عِلْمِهِ بِالرَّبْطِ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ فِي ذَلِكَ فَصَارَ عِلْمُهُ بِالرَّبْطِ بِمَنْزِلَةِ أَمْرِهِ بِالرَّبْطِ، وَلَوْ رَبَطَ بِأَمْرِهِ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَذَا هَذَا.
وَلَوْ سَقَطَ سَرْجُ دَابَّةٍ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ فِي شَدِّ الْحِزَامِ، فَكَانَ مُسَبِّبًا لِلْقَتْلِ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسْبِيبِ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ جِنَايَةُ النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ الدَّابَّةَ الْمَنْخُوسَةَ أَوْ الْمَضْرُوبَةَ (إمَّا) أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا رَاكِبٌ (وَإِمَّا) إنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهَا رَاكِبٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا رَاكِبٌ فَالرَّاكِبُ لَا يَخْلُو: إمَّا إنْ كَانَ سَائِرًا، وَإِمَّا إنْ كَانَ وَاقِفًا، وَالسَّيْرُ وَالْوُقُوفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ أُذِنَ لَهُ بِذَلِكَ.
(وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِهِ، وَالنَّاخِسُ أَوْ الضَّارِبُ لَا يَخْلُو: مِنْ أَنْ يَكُونَ نَخَسَ أَوْ ضَرَبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاكِبِ، أَوْ بِأَمْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاكِبِ فَنَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ نَفَرَتْ فَصَدَمَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ، فَإِنْ فَعَلَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى فَوْرِ النَّخْسَةِ وَالضَّرْبَةِ- فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ يَتَحَمَّلُ عَنْهُمَا عَاقِلَتُهُمَا لَا عَلَى الرَّاكِبِ، سَوَاءٌ كَانَ الرَّاكِبُ وَاقِفًا أَوْ سَائِرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي سَيْرِهِ أَوْ وُقُوفِهِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِالسَّيْرِ فِيهِ وَالْوُقُوفِ، أَوْ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ بِأَنْ كَانَ يَسِيرُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ كَانَ يَقِفُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي سُوقِ الْخَيْلِ وَنَحْوِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِسَبَبِ النَّخْسِ أَوْ الضَّرْبِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي السَّبَبِ فَيَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّابَّةَ عَلَى غَيْره، وَالرَّاكِبُ الْوَاقِفُ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي التَّعَدِّي، وَالنَّاخِسُ مُتَعَدٍّ فِي التَّعَدِّي.
وَكَذَا الضَّارِبُ فَأَشْبَهَ الدَّافِعَ مَعَ الْحَافِرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ النَّاخِسَ دُونَ الرَّاكِبِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ هَكَذَا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُعْرَفْ الْإِنْكَارُ مِنْ أَحَدٍ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا شُرِطَ الْفَوْرُ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ عِنْدَ سُكُونِ الْفَوْرِ يَكُونُ مُضَافًا إلَى الدَّابَّةِ لَا إلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ، وَلَوْ نَخَسَهَا أَوْ ضَرَبَهَا، وَهُوَ سَائِرٌ عَلَيْهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِثِقَلِ الرَّاكِبِ وَفِعْلِ النَّاخِسِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا لِمَا قُلْنَا، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الرَّاكِبِ لِوُجُودِ الْقَتْلِ مِنْهُ مُبَاشَرَةً كَمَا قُلْنَا فِي الرَّاكِبِ مَعَ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ، وَلَوْ نَخَسَهَا أَوْ ضَرَبَهَا فَوَثَبَتْ وَأَلْقَتْ الرَّاكِبَ فَالنَّاخِسُ أَوْ الضَّارِبُ ضَامِنٌ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبٍ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، وَهُوَ النَّخْسُ وَالضَّرْبُ، فَيَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ تُلْقِهِ، وَلَكِنَّهَا جَمَحَتْ بِهِ فَمَا أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا ذَلِكَ فَعَلَى النَّاخِسِ أَوْ الضَّارِبِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَعَ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْبِيبِ، فَإِنْ نَفَحَتْ الدَّابَّةُ النَّاخِسَ أَوْ الضَّارِبَ فَقَتَلَتْهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ مِنْ جِنَايَةِ نَفْسِهِ، وَجِنَايَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ هَدَرٌ، هَذَا إذَا نَخَسَ أَوْ ضَرَبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاكِبِ.
فَأَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الرَّاكِبِ فَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ سَائِرًا فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِالسَّيْرِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ يَسِيرُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَاقِفًا فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِالْوُقُوفِ بِأَنْ وَقَفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي سُوقِ الْخَيْلِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أُذِنَ بِالْوُقُوفِ فِيهَا، فَنَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّاخِسِ، وَلَا عَلَى الضَّارِبِ، وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَصَحَّ أَمْرُهُ بِهِ؛ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَخَسَ أَوْ ضَرَبَ بِنَفْسِهِ، فَنَفَحَتْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّفْحَةَ فِي حَالِ السَّيْرِ، وَالْوُقُوفَ فِي مَوْضِعٍ أُذِنَ بِالسَّيْرِ أَوْ الْوُقُوفِ فِيهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ لَا عَلَى الرَّاكِبِ، وَلَا عَلَى السَّائِقِ، وَلَا عَلَى الْقَائِدِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ سَائِرًا فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالسَّيْرِ بِأَنْ كَانَ يَسِيرُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، أَوْ كَانَ وَاقِفًا فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالْوُقُوفِ فِيهِ، كَمَا إذَا كَانَ وَاقِفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فَنَفَحَتْ- فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ: نِصْفٌ عَلَى النَّاخِسِ أَوْ الضَّارِبِ، وَنِصْفٌ عَلَى الرَّاكِبِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا كَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنَ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ-: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ النَّاخِسَ أَوْ الضَّارِبَ نَخَسَ أَوْ ضَرَبَ لَهَا بِإِذْنِ الرَّاكِبِ، وَهُوَ رَاكِبٌ، وَهُوَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إلَيْهِ، فَكَانَ فِعْلَهُ بِنَفْسِهِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّاخِسَ أَوْ الضَّارِبَ مَعَ الرَّاكِبِ اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ أَمَّا النَّاخِسُ أَوْ الضَّارِبُ فَلَا يُشْكَلُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ الْقَتْلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَدِّي.
(وَأَمَّا) الرَّاكِبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ بِالْأَمْرِ بِالنَّخْسِ أَوْ الضَّرْبِ نَاخِسًا أَوْ ضَارِبًا، وَالنَّفْحَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ نَخْسِهِ وَضَرْبِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا لِحُصُولِ الْقَتْلِ بِالتَّسْبِيبِ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ، هَذَا إذَا نَفَحَتْ، فَأَمَّا إذَا صَدَمَتْ، فَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ سَائِرًا أَوْ وَاقِفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ- فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ، وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّخْسِ وَالضَّرْبِ مُضَافٌ إلَى الرَّاكِبِ لِحُصُولِهِ بِأَمْرِهِ، وَالصَّدْمَةُ فِي الْمِلْكِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الرَّاكِبِ سَوَاءٌ كَانَ سَائِرًا أَوْ وَاقِفًا، وَإِنْ كَانَ سَيْرُهُ أَوْ وُقُوفُهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي النَّفْحَةِ إذَا كَانَ الرَّاكِبُ وَاقِفًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُؤْذَنْ بِالْوُقُوفِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّدْمَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الرَّاكِبِ، إذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَاقِفًا كَانَ أَوْ سَائِرًا.
وَكَذَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَيَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي النَّفْحَةِ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ هَذَا إذَا نَفَحَتْ أَوْ صَدَمَتْ، فَأَمَّا إذَا وَطِئَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ- فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الرَّاكِبُ سَائِرًا أَوْ وَاقِفًا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ فِيمَا أُذِنَ فِيهِ أَوْ لَمْ يُؤْذَنْ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الْقَتْلِ لِحُصُولِ الْمَوْتِ بِثِقَلِ الرَّاكِبِ وَالدَّابَّةِ وَفِعْلِ النَّاخِسِ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ مُبَاشَرَةً فَصَارَ الرَّاكِبُ مَعَ النَّاخِسِ كَالرَّاكِبِ مَعَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ أَنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الرَّاكِبِ خَاصَّةً، كَذَا هاهنا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَنْخُوسَةِ أَوْ الْمَضْرُوبَةِ رَاكِبٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا رَاكِبٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا سَائِقٌ وَلَا قَائِدٌ، فَنَخَسَهَا إنْسَانٌ أَوْ ضَرَبَهَا فَمَا أَصَابَتْ شَيْئًا عَلَى فَوْرِ النَّخْسَةِ وَالضَّرْبَةِ فَضَمَانُهُ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ الدَّابَّةُ؛ لِأَنَّهُ سَبَّبَ الْإِتْلَافَ بِالنَّخْسِ وَالضَّرْبِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْبِيبِ فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَنَخَسَ أَوْ ضَرَبَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَنَفَحَتْ أَوْ نَفَرَتْ فَصَدَمَتْ أَوْ وَطِئَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ أَوْ الضَّارِبِ لَا عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ النَّاخِسُ وَالْقَائِدُ؛ لِأَنَّ النَّاخِسَ مَعَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّخْسِ أَوْ الضَّرْبِ كَأَنَّهُ دَفَعَ الدَّابَّةَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ، يَقُودُ أَحَدُهُمَا، وَيَسُوقُ الْآخَرُ، فَنَخَسَ أَوْ ضَرَبَ بِغَيْرِ إذْنِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا- فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ لَا عَلَيْهِمَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ النَّاخِسُ وَالْقَائِدُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَمِّدٌ كَالدَّافِعِ لِلدَّابَّةِ.
وَكَذَا الضَّارِبُ وَلَا تَعَمُّدَ مِنْ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَنَفَحَتْ، فَإِنْ كَانَ سَوْقُهُ أَوْ قَوْدُهُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِالسَّوْقِ وَالْقَوْدِ فِيهِ- فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ، فَإِنْ كَانَ يَسُوقُ أَوْ يَقُودُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِالسَّوْقِ وَالْقَوْدِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يُضَافُ إلَيْهِ كَالسَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ، وَإِنْ كَانَ يَسُوقُ أَوْ يَقُودُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِذَلِكَ بِأَنْ كَانَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ- فَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: الضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ، وَعَلَى السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: الضَّمَانُ عَلَى السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ خَاصَّةً، وَإِنْ صَدَمَتْ فَقَتَلَتْ إنْسَانًا، فَإِنْ كَانَ السَّائِقُ يَسُوقُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ- فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاخِسِ أَوْ الضَّارِبِ بِأَمْرِ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَالصَّدْمَةُ فِي الْمِلْكِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ وَالرَّاكِبِ، وَإِنْ كَانَ يَسُوقُ أَوْ يَقُودُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ- فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَإِنْ وَطِئَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ- فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ سَوْقُهُ أَوْ قَوْدُهُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ بِالسَّوْقِ أَوْ الْقَوْدِ فِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْوَطْأَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَإِنْ وَطِئَتْ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ فِي قِيَاسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى النَّاخِسِ وَالضَّارِبِ، وَعَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ نِصْفَانِ، وَعَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ خَاصَّةً، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ جِنَايَةُ الْحَائِطِ الْمَائِلِ إذَا سَقَطَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، أَوْ عَلَى مَتَاعٍ، فَأَفْسَدَهُ، أَوْ عَلَى دَارٍ فَهَدَمَهَا أَوْ عَلَى حَيَوَانٍ فَعَطِبَ بِهِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ الْحَائِطَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ بُنِيَ مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا ثُمَّ مَالَ (وَإِمَّا) إنْ بُنِيَ مَائِلًا مِنْ الْأَصْلِ، فَإِنْ بُنِيَ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ مَالَ فَمَيَلَانُهُ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الطَّرِيقِ.
(وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ، فَإِنْ كَانَ إلَى الطَّرِيقِ لَا يَخْلُو: مِنْ أَنْ يَكُونَ نَافِذًا، وَهُوَ طَرِيقُ الْعَامَّةِ أَوْ غَيْرَ نَافِذٍ، وَهُوَ السِّكَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ، فَإِنْ كَانَ نَافِذًا فَسَقَطَ فَعَطِبَ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ إذَا وُجِدَ شَرَائِطُ وُجُوبِهِ، فَيَقَعُ الْكَلَامَ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مَا هِيَةِ الضَّمَانِ الْوَاجِبِ وَكَيْفِيَّتِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ هُوَ التَّعَدِّي بِالتَّسْبِيبِ إلَى الْإِتْلَافِ بِتَرْكِ النَّقْضِ الْمُسْتَحَقِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّقْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَالَ إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَقَدْ حَصَلَ الْهَوَاءُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ حَقُّ الْعَامَّةِ كَنَفْسِ الطَّرِيقِ فَقَدْ حَصَلَ حَقُّ الْغَيْرِ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، فَإِذَا طُولِبَ بِالنَّقْضِ فَقَدْ لَزَمَهُ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهُ بِهَدْمِ الْحَائِطِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ مَعَ الْإِمْكَانِ، فَقَدْ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِاسْتِبْقَاءِ يَدِهِ عَلَيْهِ كَثَوْبٍ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِ إنْسَانٍ فَطُولِبَ بِهِ فَامْتَنَعَ مِنْ الرَّدِّ مَعَ إمْكَانِ الرَّدِّ حَتَّى هَلَكَ- يَضْمَنُ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلِ الشُّعَبِيِّ وَشُرَيْحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمْ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ- أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي الْحَائِطِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.